بسم
الله الرحمن الرحيم
الفوائد
المنتخبة
من
كتاب "مباحث في علوم القرآن "
انتخبها
/ عبداللطيف بن محمد البلوشي
1.
رَوَى مسلم عن
أبي سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تكتبوا عني,
ومَن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدِّثوا عني ولا حَرَج، ومَن كَذَبَ عليَّ
متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" . ولم يأذن لهم رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- في كتابة شيء عنه سوى القرآن خشية أن يلتبس القرآن بغيره.
2.
بدأ التفسير
أولًا بالنقل عن طريق التلقي والرواية، ثم كان تدوينه على أنه باب من أبواب
الحديث، ثم دُوِّنَ على استقلال وانفراد، وتتابع التفسير بالمأثور، ثم التفسير
بالرأي.
3. ذكر بعض العلماء أن تسمية هذا الكتاب قرآنًا من
بين كتب الله لكونه جامعًا لثمرة كتبه، بل لجمعه ثمرة جميع العلوم. كما أشار تعالى
إلى ذلك بقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} ،
وقوله: {مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ}..
4. قد غلب
على كلام الله من أسمائه: "القرآن" و"الكتاب"، قال الدكتور
محمد عبد الله دراز: "رُوعِيَ في تسميته "قرآنًا" كونه متلوًّا
بالألسن، كما رُوعِيَ في تسميته "كتابًا" كونه مدوَّنًا بالأقلام، فكلتا
التسميتين من تسمية شيء بالمعنى الواقع عليه".
5.
في تسمية الله
كتابه بالقرآن والكتاب إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضعين لا في موضع
واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما
الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول
إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وُضِعَ عليها أول مرة، ولا ثقة لنا بكتابة
كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفَّاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
6.
عن ابن عباس
موقوفًا: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم أُنزل
بعد ذلك بعشرين سنة ثم قرأ : {وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ
بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} ، {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى
النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} وفي رواية: "فُصِلَ القرآن
من الذكر فوُضِعَ في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي,
صلى الله عليه وسلم" .
7.
قال أبو القاسم
الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري في كتاب "التنبيه على فضل علوم
القرآن": "من أشراف علوم القرآن علم نزوله وجهاته، وترتيب ما نزل بمكة
والمدينة، وما نزل بمكة وحكمه مدني، وما نزل بالمدينة وحكمه مكي، وما نزل بمكة في
أهل المدينة، وما نزل بالمدينة في أهل مكة، وما يشبه نزول المكي في المدني، وما
يشبه نزول المدني في المكي، وما نزل بالجُحفة، وما نزل ببيت المقدس، وما نزل
بالطائف، وما نزل بالحديبية، وما نزل ليلًا، وما نزل نهارًا، وما نزل مشيعًا1، وما
نزل مفردًا، والآيات المدنيات من السور المكية, والآيات المكيات في السور المدنية،
وما حُمل من مكة إلى المدينة، وما حُمل من المدينة إلى مكة، وما حُمل من المدينة
إلى أرض الحبشة، وما نزل مُجملًا، وما نزل مفسرًا، وما اختلفوا فيه، فقال بعضهم مدني
وبعضهم مكي، فهذه خمسة وعشرون وجهًا من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم
في كتاب الله تعالى" . انظر "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي جـ1،
ص8، الطبعة الثالثة للحلبي.
8.
عدد سور القرآن:
1- أقرب ما قيل في تعداد السور المكية والمدنية إلى الصحة، أن المدني عشرون سورة:
1- البقرة. 2- آل عمران. 3- النساء. 4- المائدة. 5- الأنفال. 6- التوبة. 7- النور.
8- الأحزاب. 9- محمد. 10- الفتح. 11- الحجرات. 12- الحديد. 13- المجادلة. 14-
الحشر. 15- الممتحنة. 16- الجمعة. 17- المنافقون. 18- الطلاق. 19- التحريم. 20-
النصر.
2- وأن المختلف فيه اثنتا عشرة سورة:
1- الفاتحة. 2- الرعد. 3- الرحمن. 4- الصف. 5- التغابن. 6- التطفيف. 7- القدر. 8-
البينة. 9- الزلزلة. 10- الإخلاص. 11- الفلق. 12- الناس.
3-
وأن ما سوى ذلك مكي، وهو اثنتان وثمانون سورة، فيكون مجموع سور القرآن مائة وأربع
عشرة سورة.
9. سورة
الأنفال مدنية ، واستثنى بعضهم قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ
اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}, لما أخرجه البزَّار عن ابن عباس
أنها نزلت لما أسلم عمر ابن الخطاب, رضي الله عنه.
10.
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. نزلت بمكة يوم الفتح،
وهي مدنية لأنها نزلت بعد الهجرة, والخطاب فيها عام
11.
قوله تعالى في سورة النجم: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ
الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ}.. قال السيوطي: فإن الفواحش كل ذنب
فيه حد، والكبائر كل ذنب عاقبته النار، واللَّمم ما بين الحدين من الذنوب، ولم يكن
بمكة حد ولا نحوه .
12.
أخرج البخاري عن البرَّاء بن عازب قال: "أول من قدم علينا من
أصحاب النبي, صلى الله عليه وسلم: مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا
القرآن. ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين. ثم جاء النبي
-صلى الله عليه وسلم- فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، فما جاء حتى قرأتُ:
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} في سورة مثلها"
13.
أمَّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر على الحج في العام
التاسع. فلما نزل صدر سورة "براءة" حمَّله رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- عليَّ بن أبي طالب ليلحق بأبي بكر حتى يبلِّغ المشركين به. فأذَّن فيهم
بالآيات وأبلغهم ألا يحج بعد العام مشرك.
14.
في صحيح مسلم عن
عمر: "ما راجعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شيء ما راجعته في
الكلالة، وما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: "يا
عمر، ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر في النساء"
15.
أخرج البيهقي في "دلائل النبوة" عن حذيفة قال: "تفرق
الناس عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الأحزاب إلا اثني عشر رجلًا، فأتاني
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: " قم فانطلق إلى عسكر الأحزاب" ،
قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما قمت لك إلا حياء، من البرد، فأنزل الله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}
16.
قال القاضي أبو
بكر محمد بن الطيب الباقلاني في "الانتصار": "إنما يُرجع في معرفة
المكي والمدني لحفظ الصحابة والتابعين, ولم يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
في ذلك قول لأنه لم يؤمر به، ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة، وإن وجب في
بعضه على أهل العلم ومعرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يُعرف ذلك بغير نص
الرسول" . انظر الإتقان جـ1 ص9.
17.
ضوابط المكي
الموضوعية:
1- كل سورة فيها سجدة فهي مكية.
2- كل سورة فيها لفظ "كلا" فهي مكية، ولم ترد إلا في النصف الأخير من
القرآن.
3- كل سورة فيها: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وليس فيها: {يَا أيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواُ} فهي مكية، إلا سورة الحج ففي أواخراها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}.. ومع هذا فإن كثيرًا من العلماء يرى أن هذه الآية مكية
كذلك.
4- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الغابرة فهي مكية سوى البقرة.
5- كل سورة فيها آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة كذلك.
18.
ضوابط المدني الموضوعية:
1- كل سورة فيها فريضة أو حد فهي مدنية.
2- كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت فإنها مكية.
3- كل سورة فيها مجادلة أهل الكتاب فهي مدنية.
19.
ورد في الحديث:
"أول ما يُحاسَب به العبد الصلاة" , و "أول ما يُقضى فيه الدماء" , وجمع بينهما بأن أول ما يُحكم فيه من المظالم
التي بين العباد الدماء. وأول ما يُحاسب به العبد من الفرائض البدنية الصلاة.
20.
قال القاضي أبو
بكر الباقلاني في "الانتصار" مُعلقًا على اختلاف الروايات في آخر ما
نزل: "هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويجوز
أن يكون قاله قائله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، ويحتمل أن كلًّا منهم أخبر عن
آخر ما سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه
بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية
التي هي آخر آية تلاها الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع آيات نزلت معها فيؤمر برسم
ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب"3. انظر الإتقان جـ1 ص27.
21.
أخرج ابن مردويه من طريق مجاهد عن أم سلمة أنها
قالت: "آخر آية نزلت هذه الآية: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا
أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ} ... إلى آخرها، وذلك أنها قالت: يا رسول الله..
أرى الله يذكر الرجال ولا يذكر النساء فنزلت: {وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ
اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} ، ونزلت: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ
وَالْمُسْلِمَاتِ}, ونزلت هذه الآية، فهي آخر الثلاثة نزولًا، وآخر ما نزل بعد ما
كان ينزل في الرجال خاصة".
ويتضح من الرواية أن الآية المذكورة آخر الآيات الثلاث نزولًا، وأنها آخر ما نزل
بالنسبة إلى ما ذُكر فيه النساء.
22.
قال الواحدي:
"لا يحل القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل،
ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدُّوا في الطلب"
وذهب
"السيوطي" إلى أن قول التابعي إذا كان صريحًا في سبب النزول فإنه
يُقْبَل، ويكون مُرسلًا، إذا صح المُسْنَد إليه وكان من أئمة التفسير الذين أخذوا
عن الصحابة كمجاهد وعِكرمة وسعيد بن جبير، واعتضد بمرسل آخر1. الإتقان جـ1 ص31.
23.
قال السيوطي:
"والذي يتحرر في سبب النزول أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره
الواحدي في تفسيره في سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة، فإن ذلك ليس من
أسباب النزول في شيء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية، كذكر قصة قوم نوح
وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك.
24.
قوله تعالى: {لا
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا
بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ}, فقد رُوِيَ أن مروان قال لبوَّابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس
فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أُوتي وأحب أن يُحمد بما لم يفعل يُعذب لنعذبن
أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما نزلت في أهل الكتاب. ثم تلا:
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ}... الآية. قال ابن
عباس: سألهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء فكتموه إياه وأخذوا بغيره،
فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بما أوتوا
من كتمان ما سألهم عنه" .
25.
عن يوسف بن ماهك
قال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل يذكر يزيد بن
معاوية لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه،
فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا أنزل فيه: {وَالَّذِي قَالَ
لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} فقالت عائشة: "ما أنزل الله فينا شيئًا من
القرآن إلا أن الله أنزل عذري"، وفي بعض الروايات: "إن مروان لما طلب
البيعة ليزيد قال: سُنَّة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سُنَّة هرقل وقيصر، فقال
مروان: هذا الذي قال الله فيه: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} ...
الآية، فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان، والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي
نزلت فيه لسميته" أخرجه عبد بن حميد
والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن محمد بن زياد، قال: لما بلغ
مروان لابنه قال مروان.. إلخ.
26.
"عن عروة أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة
كلهم يُعذَّب في الله: بلال، وعامر بن فهيرة، والنهدية وابنتها، وأم عيسى، وأمة
بني الموئل، وفيه نزلت {وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى} ... إلى آخر السورة .
27.
تقدم نزول الآية
على الحكم:
قال
تعالى: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ, وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ},
فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال عليه الصلاة والسلام:
"أُحلت لي ساعة من نهار".
وكذلك نزل بمكة: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} 5, قال عمر بن
الخطاب: كنت لا أدري: أي الجمع يُهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} .
28.
روى البخاري في كتاب "الأدب المفرد" في بر الوالدين عن سعد
بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "نزلت فيَّ أربع آيات من كتاب الله عز وجل:
كانت أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب، حتى أفارق محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فأنزل
الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
والثانية: أني كنت أخذت سيفًا فأعجبني فقلت: يا رسول الله. هب لي هذا السيف،
فنزلت: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ}.
والثالثة: أني كنت مرضت فأتاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول
الله. إني أريد أن أُقَسِّمَ مالي، أفأُوصي بالنصف؟ فقال: لا، فقلت: الثلث، فسكت،
فكان الثلث بعد جائزًا.
والرابعة: أني شربت الخمر مع قوم من الأنصار، فضرب رجل منهم أنفي بلحي جمل، فأتيت
رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر".
29.
فائدة معرفة
المناسبة بين الآيات والسور: قال الزركشي: "وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها
آخذًا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم
المتلائم الأجزاء".
30.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام1: "المناسبة علم حسن، ولكن
يُشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره: فإن وقع على
أسباب مختلفة لم يُشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر" ثم قال: "ومن ربط بين
ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلًا عن
أحسنه، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، ولأسباب مختلفة، وما
كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض".
31.
قوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ,
وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ, وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى
الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}, جمع بين الإبل
والسماء والجبال مراعاة لما جرى عليه الإلف والعادة بالنسبة إلى المخاطَبين في
البادية، حيث يعتمدون في معايشهم على الإبل، فتنصرف عنايتهم إليها، ولا يتأتى لهم
ذلك إلا بالماء الذي ينبت المرعى وترده الإبل، وهذا يكون بنزول المطر، وهو سبب
تقلب وجوههم في السماء، ثم لا بد لهم من مأوى يتحصنون به ولا شيء أمنع كالجبال،
وهم يطلبون الكلأ والماء فيرحلون من أرض ويهبطون أخرى، ويتنقلون من مرعًى أجدب إلى
مرعًى أخصب، فإذا سمع أهل البادية هذه الآيات خالطت شغاف قلوبهم بما هو حاضر لا
يغيب عن أذهانهم.
32.
قد تكون
المناسبة بين السورة والسورة، كافتتاح سورة "الحديد" بالتسبيح: {سَبَّحَ
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}, فإنه
مناسب لختام سورة "الواقعة" من الأمر به: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَظِيمِ}, وكارتباط سورة {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ}, بسورة "الفيل" فإن
هلاك أصحاب الفيل كانت عاقبته تمكين قريش من رحلتيها شتاء وصيفًا.
33.
عن ابن عباس
قال: "بُعِثَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث
عشرة سنة يُوحى إليه، ثم أُمِرَ بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين"
34.
القرآن الكريم
له تنزلان:
الأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا.
والثاني: نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة.
35.
قال السيوطي:
"قيل: السر في إنزاله جملة إلى السماء تفخيم أمره وأمر من نزل عليه، وذلك
بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم
قد قربناه إليهم لينزله عليهم. ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم
مُنَجَّمًا بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزَّلة قبله، ولكن
الله باين بينه وبينها، فجعل له الأمرين: إنزاله جملة، ثم إنزاله مفرقًا، تشريفًا
للمُنَزَّل عليه".
36.
يقول تعالى في
التنزيل: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ, نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ
الأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ, بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ
مُبِينٍ} المراد به نزوله مُنَجَّمًا،
ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج
والتنجيم، فإن علماء اللغة يُفَرِّقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل
مفرقًا، والإنزال أعم .
37.
الذي استقرئ من
الأحاديث الصحيحة أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل،
وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات في أول المؤمنين
جملة، وصح نزول: {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} وحدها وهي بعض آية" .
38.
عن أبي نضرة
قال: "كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات
بالعَشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات"3، وعن خالد بن دينار
قال: "قال لنا أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن النبي -صلى
الله عليه وسلم- كان يأخذه من جبريل خمسًا خمسًا"4.
وعن عمر قال: "تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن
على النبي -صلى الله عليه وسلم- خمسًا خمسًا".
39.
الحكمة بالتدرج
في التشريع : عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من
المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال
والحرام، ولو نزل أول شيء: "لا تشربوا الخمر" لقالوا: لا ندع الخمر
أبدًا، ولو نزل: "لا تزنوا" لقالوا: "لا ندع الزنا أبدًا" .
أخرجه البخاري
40.
عن عبد الله بن
عمرو بن العاص قال: "سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "خذوا
القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبَيِّ بن كعب" وعن
قتادة قال: "سألت أنس بن مالك: مَن جمع القرآن على عهد رسول الله, صلى الله
عليه وسلم؟ فقال: أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن
ثابت، وأبو زيد، قلت: مَن أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي"2. ورُوِي من طريق ثابت
عن أنس كذلك قال: "مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يجمع القرآن غير
أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد"3 قال الماوردي1
معلقًا على رواية أنس: "لم يجمع القرآن غير أربعة": "لا يلزم من
قول أنس: لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك, لأن التقدير أنه لا
يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد
وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل
له جمع في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان
المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك، وليس من شرط التواتر أن يحفظ
كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى"
41.
عن عبد الله بن
عمرو قال: جمعتُ القرآن، فقرأتُ به كل ليلة، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم-
فقال: "اقرأه في شهر" أخرجه
النَّسائي بسند صحيح
42.
عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله, صلى الله عليه
وسلم: "إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من
أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار" رواه
البخاري ومسلم.
عن
عبادة بن الصامت قال: "كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي -صلى الله عليه وسلم-
إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يُسْمَعُ لمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يخفضوا أصواتهم
لئلا يتغالطوا" مناهل العرفان
للزرقاني، جـ1 ص234
43.
قال القرطبي:
"قد قُتِلَ يوم اليمامة سبعون من القرَّاء وقُتل في عهد النبي -صلى الله عليه
وسلم- ببئر معونة مثل هذا العدد"
44.
ذكر أبو عبيد في
كتاب "القراءات" القرَّاء من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-
فعدَّ من المهاجرين: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدًا, وابن مسعود، وحذيفة،
وسالمًا، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة1، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة.
ومن الأنصار: عبادة بن الصامت. ومعاذًا الذي يُكنَّى أبا حليمة، ومجمع بن جارية،
وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وصرَّح بأن بعضهم إنما كمَّله بعد النبي, صلى
الله عليه وسلم .
وذكر الحافظ الذهبي في "طبقات القرَّاء" أن هذا العدد من القرَّاء هم
الذين عرضوه على النبي -صلى الله عليه وسلم- واتصلت بنا أسانيدهم، وأما مَن جمعه
منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير.
45.
قال ابن الجزري
شيخ القرَّاء في عصره: "إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور،
لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة".
46.
كان بعض الصحابة
يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، دون أن يأمرهم النبي -صلى الله عليه
وسلم- فيخطونه في العسب، واللِّخاف، والكرانيف، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم،
والأكتاف ، عن زيد بن ثابت قال: "كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
نُؤلِّف القرآن من الرقاع" . العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون
الخوص ويكتبون في الطرف العريض، واللِّخاف: جمع لخفة، وهي صفائح الحجارة،
والكرانيف: جمع كرنافة، وهي أصول السعف الغلاظ، والرقاع: جمع رقعة، وقد تكون من
جلد أو رق، والأقتاب: جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليُركب عليه،
والأكتاف: جمع كتف، وهو العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه.
47.
قال الزركشي:
"وإنما لم يُكتب في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مصحف لئلا يُفضي إلى
تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته, صلى الله
عليه وسلم" وبهذا يُفسَّر ما رُوِيَ عن زيد بن ثابت، قال: "قُبِضَ النبي
-صلى الله عليه وسلم- ولم يكن القرآن جُمع في شيء" أي لم يكن جُمع مرتب
الآيات والسور في مصحف واحد، قال الخطابي: "إنما لم يجمع -صلى الله عليه وسلم-
القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى
نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على
هذه الأمة2 فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر"3 الإتقان جـ1 ص57.
48.
عن علي قال:
"أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول مَن
جمع كتاب الله".
49.
عن سويد بن غفلة
قال: "قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في
المصحف إلا عن ملأ منا. قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ قد بلغني أن بعضهم يقول:
إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يُجْمع
الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنِعْمَ ما رأيت"3.
50.
فإن قيل كيف جاز
لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأمرهم بقراءتها؟ فقد
تركوا الأحرف الستة.
قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن
القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف
السبعة، عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قَرَأَةِ2
الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين،
بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة.
51.
قال الحارث
المحاسبي: "المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل
عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من
المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف
القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف
السبعة التي أُنزل بها القرآن فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق" .
52.
اختلف العلماء في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق. قال ابن
أبي داود: سمعتُ أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة، وإلى
الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة
واحدًا.
53.
المصاحف التي كتبها
عثمان لا يكاد يوجد منها مصحف واحد اليوم. ويُرْوَى عن ابن كثير في كتابه "فضائل القرآن" أنه رأى
واحدًا منها بجامع دمشق بالشام، في رق يظنه من جلود الإبل، ويُرْوَى أن هذا المصحف
الشامي نُقِلَ إلى إنجلترا بعد أن ظل في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد
فترة، وقيل إنه احترق في مسجد دمشق سنة. 131 هجرية.
54.
قال تعالى في سورة الأعلى: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلَّا مَا
شَاءَ اللَّهُ} يقول الشيخ محمد عبده في تفسير الآية: "ولما كان الوعد على
وجه التأبيد واللزوم، ربما يوهم أن قدرة الله لا تتسع غيره، وأن ذلك خارج عن
إرادته جل شأنه، جاء بالاستثناء في قوله: {إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ} فإنه إذا
أراد أن ينسيك شيئًا لم يعجزه ذلك، فالقصد هو نفي النسيان رأسًا،
55.
يزعم نفر من
غلاة الشيعة أن أبا بكر وعمر وعثمان حرَّفوا القرآن، وأسقطوا بعض آياته وسوره،
فحرفوا لفظ: {أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ}, والأصل: "أئمة هي أزكى من
أئمتكم"، وأسقطوا من سورة "الأحزاب" آيات فضائل أهل البيت وقد كانت
في طولها مثل سورة "الأنعام"، وأسقطوا سورة الولاية بتمامها من القرآن.
ويُجاب عن ذلك بأن هذه الأقوال أباطيل لا سند لها، ودعاوي لا بيِّنة عليها،
والكلام فيها حمق وسفاهة، وقد تبرأ بعض علماء الشيعة من هذا السخف،
والمنقول عن علي -رضي الله عنه- الذي
يدَّعون التشيع له، يناقضه، ويدل على انعقاد الإجماع بتواتر القرآن الذي بين دفتي
المصحف، فقد أُثِرَ عنه أنه قال في جمع أبي بكر: "أعظم الناس أجرًا في
المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله"، وقال في
جمع عثمان: "يا معشر الناس، اتقوا الله، وإياكم والغلو في عثمان وقولكم:
حرَّاق مصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله, صلى الله عليه
وسلم"، وقال: "لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل
عثمان".
فهذا الذي أُثِرَ عن علي نفسه يقطع السٌّنَّة أولئك المفترين الذين يزعمون نُصرته
فيهرفون بما لا يعرفون تشيعًا له، وهو منهم براء.
56.
ترتيب الآيات في
القرآن الكريم توقيفي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحكى بعضهم الإجماع على
ذلك: منهم: الزركشي في "البرهان"، وجزم السيوطي بذلك فقال:
"الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك"
فقد كان جبريل يتنزل بالآيات على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويرشده إلى
موضعها من السورة أو الآيات التي نزلت قبل، فيأمر الرسول كتبة الوحي بكتابتها في
موضعها ويقول لهم: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا أو كذا، أو ضعوا
آية كذا في موضع كذا، كما بلَّغها أصحابه كذلك، عن عثمان بن أبي العاص قال: "كنت جالسًا
عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ شَخَصَ ببصره ثم صوَّبه، ثم قال: أتاني
جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ
بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى} 2... إلى آخرها"3.
57.
عن ابن الزبير قال: "قلت لعثمان: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ
مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} , قد
نسختها الآية الآخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟ قال: "يابن أخي، لا أُغَيِّر شيئًا من
مكانه" .
58.
قال السيوطي بعد أن ذكر أحاديث السور المخصوصة: "تدل قراءته -صلى
الله عليه وسلم- لها بمشهد من الصحابة على أن ترتيب آياتها توقيفي وما كان الصحابة
ليرتبوا ترتيبًا سمعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ
التواتر" .
59.
قال ابن الحصار: "ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان
بالوحي، كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل
اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف"
60.
ترتيب السور
توقيفي كترتيب الآيات. قال أبو بكر بن الأنباري: "أنزل الله القرآن كله إلى
سماء الدنيا، ثم فرَّقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية
جوابًا لمستخبِر، ويوقف جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- على موضع الآية والسورة،
فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فمن قدَّم
سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن" وقال الكرماني في "البرهان":
"ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللَّوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه
كان -صلى الله عليه وسلم- يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه. وعرضه
عليه في السٌّنَّة التي توفي فيها مرتين. وكان آخر الآيات نزولًا: {وَاتَّقُوا
يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} , فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا
والدَّيْن" .
ومال السيوطي إلى ما ذهب إليه البيهقي قال: "كان القرآن على عهد النبي -صلى
الله عليه وسلم- مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث
عثمان".
61.
سور
القرآن أقسام أربعة: 1- الطوال. 2- والمئين. 3- والمثاني. 4- والمفصَّل..
1- فالطوال: سبع سور من البقرة.
2-
المئون: التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.
3- والمثاني: هي التي تليها في عدد الآيات، سميت بذلك لأنها تُثنَّى في القراءة
وتُكرَّر أكثر من الطوال والمئين.
4- والمفصَّل: قيل: من أول سورة "ق"، وقيل: من أول "الحجرات"،
وقيل غير ذلك،
62.
أقسام المفصل من القرآن: ثلاثة، طواله، وأوساطه، وقصاره.
فطواله: من "ق" أو "الحجرات" إلى "عم" أو
"البروج"، وأوساطه: من "عم" أو "البروج" إلى
"الضحى" أو إلى "لم يكن"، وقصاره: من"الضحى" أو
"لم يكن" إلى آخر القرآن. على خلاف في ذلك.
وتسميته بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.
63.
قال صلى الله
عليه وسلم لمعاوية, أحد كتبة الوحي: "ألق الدواة، وحرِّف القلم، وانصب الياء،
وفرِّق السين، ولا تعوِّر الميم، وحسِّن الله، ومد الرحمن، وجوِّد الرحيم، وضع
قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك"
64.
ذهب كثير من
العلماء إلى أن الرسم العثماني ليس توقيفيًّا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولكنه
اصطلاح ارتضاه عثمان، وتلقته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا تجوز
مخالفته. قال أشهب: "سُئل مالك: هل يُكتب المصحف على ما أحدثه الناس من
الهجاء؟ قال: لا، إلا على الكتبة الأولى" رواه أبو عمرو الداني في
"المقنع" ثم قال: "ولا مخالف له من علماء الأمة"، وقال الإمام
أحمد: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك"1
65.
قال البيهقي في شُعب الإيمان: "من يكتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ
على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يُغيِّر مما كتبوه
شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي
أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم" انظر "الإتقان" جـ2 ص167.
66.
كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل، اعتمادًا على السليقة
العربية السليمة التي لا تحتاج إلى الشكل بالحركات ولا إلى الإعجام بالنقط، فلما
تطرق إلى اللِّسان العربي الفساد بكثرة الاختلاط أحس أولو الأمر بضرورة تحسين
كتابة المصحف بالشكل والنقط وغيرهما مما يساعد على القراءة الصحيحة.
67.
أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي الذي يُنسب إليه وضع ضوابط
للعربية بأمر علي بن أبي طالب، ويُرْوَى في ذلك أنه سمع قارئًا يقرأ قوله تعالى:
{أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} , فقرأها بجر اللام من كلمة "رسوله"
فأفزع هذا اللحن أبا الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم ذهب إلى زياد
والي البصرة وقال له: قد أجبتك إلى ما سألت، وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس
علامات يعرفون بها كتاب الله، فتباطأ في الجواب حتى راعه هذا الحادث، وهنا جد جده،
وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وجعل علامة الكسرة
نقطة أسفله، وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين.
68.
تدرج تحسين رسم المصحف، فكان الشكل في الصدر الأول نقطًا، فالفتحة نقطة
على أول الحرف، والضمة على آخره، والكسرة تحت أوله.
ثم كان الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل، فالفتح شكلة
مستطيلة فوق الحرف، والكسر كذلك تحته، والضم واو صغرى فوقه، والتنوين زيادة مثلها،
وتُكتب الألف المحذوفة والمبدل منها في محلها حمراء، والهمزة المحذوفة تُكتب همزة
بلا حرف حمراء أيضًا، وعلى النون والتنوين قبل الباء علامة الإقلاب حمراء، وقبل
الحلق سكون، وتعرى عند الإدغام والإخفاء، ويسكن كل مسكن، ويعرى المدغم ويشدد ما
بعده إلا الطاء قبل التاء فيكتب عليها السكون نحو "فرطْت"1.
ثم كان القرن الثالث الهجري فجاد رسم
المصحف وتحسن، وتنافس الناس في اختيار الخطوط الجميلة وابتكار العلامات المميِّزة،
فجعلوا للحرف المشدد علامة كالقوس، ولألف الوصل جرة فوقها أو تحتها أو وسطها. على
حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة.
ثم تدرج الناس بعد ذلك في وضع أسماء السور وعدد الآيات، والرموز التي تشير إلى
رءوس الآي، وعلامات الوقف اللازم "م" والممنوع "لا" والجائز
جوازًا مستوى الطرفين "ج" والجائز مع كون الوصل أولى "صلي"
والجائز مع كون الوقف أولى "قلي" وتعانق الوقف بحيث إذا وقف على أحد
الموضعين لا يصح الوقف على الآخر " " والتجزئة، والتحزيب، إلى غير ذلك
من وجوه التحسين
69.
تميز القرآن
الكريم بمنهج فريد في فواصله ورءوس آياته، ونعني بالفاصلة: الكلام المنفصل مما
بعده، وقد يكون رأس آية وقد لا يكون، وتقع الفاصلة عند نهاية المقطع الخطابي، سميت
بذلك لأن الكلام ينفصل عندها.
ونعني برأس الآية: نهايتها التي توضع بعدها علامة الفصل بين آية وآية، ولهذا
قالوا1: "كل رأس آية فاصلة، وليس كل فاصلة رأس آية، فالفاصلة تعم النوعين،
وتجمع الضربين"، لأن رأس كل آية يفصل بينها وبين ما بعدها.
ومثل هذا قد يُسمى في كلام الناس سجعًا على النحو المعروف في علم البديع
70.
القاضي أبو بكر الباقلاني على من أثبت السجع في القرآن فقال:
"وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعًا لكان غير خارج عن أساليب
كلامهم، ولو كان داخلًا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يُقال: هو سجع مُعجز
لجاز لهم أن يقولوا: شِعر معجز، وكيف؟ والسجع مما كانت كهان العرب تألفه، ونفيه من
القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر، لأن الكهانة تخالف النبوات بخلاف الشِّعر.
وما توَّهموا أنه سجع باطل1، لأن مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو، لأن السجع من
الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدَّى بالسجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في
معنى السجع من القرآن، لأن اللفظ وقع فيه تابعًا للمعنى، وفرق بين أن ينتظم الكلام
في نفسه بألفاظه التي تؤدِّي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظمًا دون
اللفظ" البرهان، للزركشي جـ1 ص58.
71.
أقوى ما استدل به الذين يثبتون السجع في القرآن أن موسى أفضل من هارون،
ولما كان السجع بالألف اللينة قيل في موضع: {قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ
وَمُوسَى} [طه: 70]، ولما كانت الفواصل في موضع آخر بالواو والنون قيل: {رَبِّ
مُوسَى وهَارُونَ} [الشعراء: 48] وأجيب بأن التقديم والتأخير لإعادة القصة الواحدة
بألفاظ مختلفة تؤدي معنًى واحدًا، وليس للسجع.
72.
الفواصل في
القرآن الكريم أنواع:
أ- فمنها الفواصل المتماثلة كقوله تعالى: {وَالطُّورِ, وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ, فِي
رَقٍّ مَنْشُورٍ, وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ} , وقوله تعالى: {وَالْفَجْرِ, وَلَيَالٍ عَشْرٍ,
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ, وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} ، وقوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ,
الْجَوَارِ الْكُنَّسِ, وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ, وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}
.
ب- ومنها الفواصل المتقاربة في الحروف، كقوله تعالى: {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ,
مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}, للتقارب بين الميم والنون في المقطع، وقوله: {ق
وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ, بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ
الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}, بتقارب مقطعي الدال والباء.
جـ- ومنها المتوازي: وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن وحروف السجع، كقوله تعالى:
{فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ, وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}.
د- ومنها المتوازن، وهو أن يُراعى في مقاطع الكلام الوزن فقط كقوله تعالى:
{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ, وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}.
73.
نصَّ أبو عبيد
القاسم بن سلام على تواتر حديث نزول القرآن على سبعة أحرف. وذكر السيوطي أنها رويت
عن واحد وعشرين صحابيًّا.
والأحاديث
في ذلك مستفيضة استقرأ معظمها ابن جرير في مقدمة تفسيره.
74.
ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب
في المعنى الواحد، على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن معنًى من
المعاني يأتي القرآن مُنَزَّلًا بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد،
وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر. نحو: أَقْبِل وتعال، وهلم،
وعَجِّل، وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد
واختلفوا في تحديد اللغات السبع.
فقيل: هي لغات: قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن.
وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن،
وسعد بن بكر.
ورُوِيَ غير ذلك
75.
جاء في حديث أبي
بكرة: "أن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده،
فقال: على حرفين, حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية
عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلم وتعالى وأَقْبِل واذهب وأسرع
وعَجِّل"1, قال ابن عبد البر: "إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي
نزل القرآن عليها، وأنها معان متفق مفهومها، مختلف مسوعها، لا يكون في شيء منها
معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافًا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف
العذاب"
76.
عن الأعمش قال: "قرأ أنس هذه الآية: "إن ناشئة الليل هي أشد
وطأ وأصوب قيلًا" ، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هي
"وأقوم" فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد" .
وعن محمد بن سيرين قال: نُبِّئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي -صلى الله عليه
وسلم- فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين، فقال له ميكائيل: استزده، قال: حتى
بلغ سبعة أحرف، قال محمد: "لا تختلف في حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي هو
كقولك: تعال، وهلم، وأقبل" ، قال: وفي قراءتنا: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا
صَيْحَةً وَاحِدَةً} 4, في قراءة ابن مسعود: "إن كانت إلا زقية واحدة" .
77.
الأحرف السبعة القراءات السبع, بأن القرآن غير القراءات، فالقرآن: هو
الوحي المنزَّل على محمد -صلى الله عليه وسلم- للبيان والإعجاز، والقراءات: هي
اختلاف في كيفية النطق بألفاظ الوحي، من تخفيف أو تثقيل أو مد أو نحو ذلك، قال أبو
شامة: "ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو
خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل"
78.
أخذ القرآن عن الصحابة خلق كثير من التابعين في كل مصر
من الأمصار.
كان منهم "بالمدينة": ابن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز،
وسليمان وعطاء ابنا يسار، ومعاذ بن الحارث المعروف بمعاذ القارئ، وعبد الرحمن بن
هرمز الأعرج، وابن شهاب الزهري، ومسلم بن جندب، وزيد بن أسلم.
وكان منهم "بمكة": عبيد بن عمير، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومجاهد،
وعكرمة، وابن أبي مليكة.
وكان
منهم "بالكوفة": علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، وعمرو بن شرحبيل،
والحارث بن قيس، وعمرو بن ميمون، وأبو عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن جبير، والنخعي،
والشعبي.
وكان منهم "بالبصرة": أبو عالية، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم، ويحيى بن
يعمر، والحسن، وابن سيرين، وقتادة.
وكان منهم "بالشام": المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، صاحب عثمان، وخليفة
بن سعد، صاحب أبي الدرداء.138.
79.
اشتهر بالإقراء
من التابعين ومن الطبقة التي تلتهم الأئمة السبعة الذين تُنسب إليهم القراءات إلى
اليوم، فكان منهم "بالمدينة": أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثم نافع بن عبد
الرحمن، وكان منهم "بمكة": عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، وكان
منهم "بالكوفة": عاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش، ثم حمزة، ثم
الكسائي، وكان منهم "بالبصرة": عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمرو،
وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ثم يعقوب الحضرمي، وكان منهم
"بالشام": عبد الله بن عامر، وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، ثم يحيى
بن الحارث، ثم شريح بن يزيد الحضرمي.
80.
كان الناس على
رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابن عمرو, ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم،
وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع،
وكان هؤلاء هم السبعة. فلما كان على رأس المائة الثالثة أثبت أبو بكر بن مجاهد اسم الكسائي، وحذف منهم اسم يعقوب.
81.
قال السيوطي:
"أول من صنف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم أحمد بن جبير الكوفي،
ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون، ثم أبو جعفر بن جرير الطبري، ثم أبو بكر
محمد بن أحمد بن عمر الدجوني، ثم أبو بكر بن مجاهد، ثم قام الناس في عصره وبعده
بالتأليف في أنواعها جامعًا ومفردًا، وموجزًا ومسهبًا، وأئمة القراءات لا تُحصى،
وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي، ثم حافظ القرَّاء أبو الخير بن
الجزري" .
82.
قال الإمام ابن
الجزري في "النشر": "أول إمام معتبر جَمع القراءات في كتابٍ أبو
عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًَا، مع هؤلاء السبعة،
وتوفي سنة "224هـ" ثم قال: وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس
بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، وتوفي سنة "324هـ"
ثم قال: وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات
الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة
هي التي في الشاطبية والتيسير"2.
83.
السبب في
الاقتصار على السبعة مع أنه في أئمة القرَّاء مَن هو أجلُّ منهم قدرًا أو مثلهم
إلى عدد أكثر من السبعة، هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرًا جدًّا, فلما تقاصرت
الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا
إلى من اشتهر بالثقة والأمانة، وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ
عنه فأفردوا من كل مصر إمامًا واحدًا. ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة
غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة بها، كقراءة يعقوب الحضرمي، وأبي جعفر المدني،
وشيبة بن نصاع، وغيرهم.
84.
قال العلماء: إن التمسك بقراءة سبعة من القرَّاء دون غيرهم ليس فيه أثر
ولا سُنَّة. وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر، فلو أن ابن مجاهد مثلًا كتب عن
غير هؤلاء السبعة بالإضافة إليهم لاشتهروا. قال أبو بكر بن العربي: "ليست هذه
السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم،
فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم" وكذا قال غير واحد من أئمة القراء.
85.
ذكر بعض العلماء أن القراءات: متواترة، وآحاد، وشاذة، وجعلوا المتواتر
السبع، والآحاد الثلاث المتممة لعشرها، ثم ما يكون من قراءات الصحابة، وما بقي فهو
شاذ. وقيل: العشر متواترة. وقيل: المعتمد في ذلك الضوابط سواء أكانت القراءة من
القراءات السبع، أو العشر، أوغيرها.
86.
ضوابط القراءة
الصحيحة ما يأتي:
1- موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه: سواء أكان أفصح أم فصيحًا، لأن القراءة
سُنَّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها بالإسناد لا بالرأي.
2 وأن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا: لأن الصحابة في كتابة
المصاحف العثمانية اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة.
3- وأن تكون القراءة مع ذلك صحيحة الإسناد: لأن القراءة سُنَّة متبعة يُعتمد فيها
على سلامة النقل وصحة الرواية، وكثيرًا ما ينكر أهل العربية قراءة من القراءات
لخروجها عن القياس، أو لضعفها في اللغة، ولا يحفل أئمة القرَّاء بإنكارهم شيئًا.
87.
استخلص بعض
العلماء أنواع القراءات فجعلها ستة أنواع:
الأول- المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه,
وهذا هو الغالب في القراءات.
الثاني- المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة المتواتر، ووافق العربية والرسم،
واشتهر عند القرَّاء فلم يعدوه من الغلط، ولا من الشذوذ.
الثالث- الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم، أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار
المذكور. وهذا لا يُقرأ به.
الرابع- الشاذ: وهو ما لم يصح سنده. كقراءة "ملك يوم الدين"3, بصيغة
الماضي. ونصب "يوم".
الخامس- الموضوع: وهو ما لا أصل له.
السادس- المدرج: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير.
والأنواع الأربعة الأخيرة لا يُقرأ بها.
88.
فوائد الاختلاف
في القراءات الصحيحة:
1- الدلالة على صيانة كتاب الله وحفظه من
التبديل والتحريف مع كونه على هذا الأوجه الكثيرة.
2- التخفيف عن الأمة وتسهيل القراءة عليها.
3- إعجاز القرآن في إيجازه، حيث تدل كل قراءة على حكم شرعي دون تكرر اللفظ كقراءة:
{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}, بالنصب والخفض
في "وأرجلكم" ففي قراءة النصب بيان لحكم غسل الرجل، حيث يكون العطف على
معمول فعل الغسل: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}
وقراءة الجر بيان لحكم المسح على الخفين عند وجود ما يقتضيه، حيث يكون العطف على
معمول فعل المسح {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} فنستفيد الحكمين من
غير تطويل، وهذا من معاني الإعجاز في الإيجاز بالقرآن.
4- بيان ما يُحتمل أن يكون مُجملًا في قراءة أخرى كقراءة: "فامضوا إلى ذكر
الله" فإنها تبيِّن أن المراد بقراءة "فاسعوا" الذهاب لا المشي
السريع في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ
مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} .
89.
قال العلماء:
"باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام".
قال أبو عبيد في "فضائل القرآن": المقصد من القراءة الشاذة تفسير
القراءة المشهورة وتبيين معانيها، كقراءة عائشة وحفصة: "والصلاة الوسطى صلاة
العصر" ، وقراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"، وقراءة جابر:
"فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم" ... قال: "فهذه الحروف
وما شاكلها قد صارت مفسِّرة للقرآن، وقد كان يُروى مثل هذا عن التابعين في التفسير
فيُستحسن، فكيف إذا رُوِي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من
التفسير وأقوى، فأدنى ما يُستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل"4.
90.
لمعرفة الوقف والابتداء أهمية كبرى في كيفية أداء القرآن حفاظًا على
سلامة معاني الآيات. وبُعدًا عن اللَّبس والوقوع في الخطأ. وهذا يحتاج إلى دراية
بعلوم العربية، وعلم القراءات، وتفسير القرآن، حتى لا يفسد المعنى. ولهذا أمثلته:
فيجب الوقف مثلًا على قوله تعالى: {وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا} , ثم يبتدئ: {قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا
شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ} , لئلا يتوهم أن
قوله: "قيمًا" صفة لقوله "عوجًا" إذ العوج لا يكون قيمًا.
ويجب الوقف مثلًا على قوله: {وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} ، ثم يبتدئ: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ
جَمِيعًا} , كي يستقيم المعنى، لأنه إذا
وصل أوهم هذا أن القول الذي يحزنه هو قولهم: {إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}
وليس كذلك.
91.
عن ابن عمر قال:
"لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، ولقد رأينا
اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما
يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده، وكل حرف منه ينادي: أنا رسول
الله إليك لتعمل بي. وتتعظ بمواعظي" . انظر هامش "البرهان" جـ1
ص342.
92.
قال ابن الجزري:
"ولا أعلم لبلوغ النهاية في التجويد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ
المتلقى من فم المحسن، وقاعدته ترجع إلى كيفية الوقف والإمالة والإدغام وإحكام
الهمز والترقيق والتفخيم ومخارج الحروف"
93.
من بدع القراءة: ما نقله السيوطي في الإتقان، وعبَّر عنه الرافعي في
"إعجاز القرآن" بقوله: "ومما ابتُدِع في القراءة والأداء هذا
التلحين الذي بقي إلى اليوم يتناقله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم،
ويقرءون به على ما يشبه الإيقاع، وهو الغناء!... ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم
"الترعيد" وهو أن يرعد القارئ صوته، قالوا: كأنه يرعد من البرد أو
الألم.. و"الترقيص" وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة
كأنه في عدْو أو هرولة، و"التطريب" وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به فيمد
في سير مواضع المد، ويزيد في المد إن أصاب موضعه، و"التحزين" وهو أن
يأتي القراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، ثم "الترديد" وهو
رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن وافد على وجه من تلك الوجوه.
وإنما كانت القراءة تحقيقًا وهو إعطاء كل حرف حقه على مقتضى ما قرره العلماء مع
ترتيل وتؤدة أو حدرًا وهو إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة شروط الأداء الصحيحة أو
تدويرًا وهو التوسط بين التحقيق والحدر".
94.
عن عبد الله بن
عمرو قال: قال لي رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "اقرأ القرآن في شهر، قلت:
إني أجد قوة، قال: اقرأه في عشر، قلت: إني أجد قوة، قال: اقرأه في سبع ولا تزد على
ذلك"
95.
الأمر في كثرة
القراءة وختم القرآن يختلف باختلاف الأشخاص لاختلاف قدراتهم، وتفاوت المصالح
العامة التي تُناط بهم. قال النووي في "الأذكار": "المختار أن ذلك
مختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر
يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذلك من كان مشغولًا بنشر العلم أو فصل الحكومات
أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال
بما هو مرصد له، ولا فوات كماله، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليُكثر ما أمكنه
من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة".
96.
قال تعالى:
{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} ، وعن
أنس أنه سُئل عن قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "كانت مدًّا، ثم
قرأ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} يمد الله، ويمد الرحمن، ويمد
الرحيم" ، وعن ابن مسعود: "أن
رجلًا قال له: إني أقرأ المفصَّل في ركعة واحدة، فقال: أهذًّا كهذِّ الشعر؟ ، إن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم،
ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع" , وقال
الزركشي في "البرهان": "كمال الترتيل تفخيم ألفاظه، والإبانة عن
حروفه، وأن لا يُدغم حرف في حرف، وقيل: هذا أقله، وأكمله أن يقرأه على منازله، فإن
قرأ تهديدًا لفظ به لفظ التهديد، أو تعظيمًا لفظ به على التعظيم".
97.
في الحديث:
"زيِّنوا القرآن بأصواتكم" 6.
قال, صلى الله عليه وسلم: "ما أَذِن الله لشيء ما أَذِن لنبي حسن
الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به"
98.
آداب التلاوة:
ويستحب لقارئ القرآن:
1- أن يكون على وضوء، لأن ذلك من أفضل الذكر. وإن كانت القراءة للمُحدِث جائزة.
2- وأن يكون في مكان نظيف طاهر, مراعاة لجلال القراءة.
3- وأن يقرأ بخشوع وسكينة ووقار.
4- وأن يستاك قبل البدء في القراءة.
5- وأن يتعوَّذ في بدايتها، وأوجب الاستعاذة بعض العلماء.
6- وأن يحافظ على البسملة في مطلع كل سورة سوى "براءة" لأنها آية على
الرأي الراجح.
7- وأن تكون قراءته ترتيلًا، يعطي الحروف حقها من المد والإدغام.
8- وأن يتدبر ما يقرأ، لأن هذا هو المقصود
الأعظم، والمطلوب الأهم. وذلك بأن يُشغل قلبه بالتفكير في معنى ما يقرأ، ويتجاوب
مع كل آية بمشاعره وعواطفه.
9-
أن يتأثر بآيات القرآن وعدًا ووعيدًا، فيحزن ويبكي لآيات الوعيد فزعًا ورهبة
وهولًا.
10- وأن يُحسِّن صوته بالقراءة، فإن القرآن زينة للصوت، والصوت الحسن أوقع في
النفس.
11- وأن يجهر بالقراءة حيث يكون الجهر أفضل. لما فيه من إيقاظ القلب، وتجديد
النشاط، وانصراف السمع إلى القراءة، وتعدي نفعها إلى السامعين، واستجماع المشاعر
للتفكير والنظر والتدبر. أما إذا خشي بذلك الرياء، أو كان فيه أذًى للناس كإيذاء
المصلين فإن الإسرار يكون أفضل.
99.
اختار العز بن عبد السلام فقال: "قيل: القراءة في المصحف أفضل،
لأنه يجمع فعل الجارحتين: وهما اللسان والعين، والأجر على قدر المشقة، وهذا باطل،
لأن المقصود من القراءة التدبر، لقوله تعالى: {لِّيَدَّبَّرُواُ آيَاِتِه} 3,
والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود فكان مرجوحًا".
100.
اختلفوا في
القراءة في المصحف والقراءة على ظهر قلب، أيهما أفضل؟:
والأمر يختلف باختلاف الأحوال، فإن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر
وجمع القلب أكثر مما يحصل له من المصحف, فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن
المصحف أفضل.
101.
اختلف العلماء
في جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن، ورجح المحققون الجواز، لقوله, صلى الله عليه
وسلم: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" 2، وقوله: "زوجتكها
بما معك من القرآن" 3
102. قال أبو
الليث في كتاب "البستان"4: "التعليم على ثلاثة أوجه:
أحدها للحسبة
ولا يأخذ به عوضًا، والثاني أن يعلِّم بالأجرة، والثالث أن يعلِّم بغير شرط فإذا
أهدي إليه قبل.
فالأول: مأجور عليه، وهو عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والثاني: مختَلَف فيه، فقيل لا يجوز، لقوله, صلى الله عليه وسلم: "بلِّغوا
عني ولو آية" ، وقيل: يجوز، والأفضل للمعلِّم أن يشارط الأجرة للحفظ وتعليم
الكتابة، فإن شارط لتعليم القرآن أرجو أنه لا بأس به، لأن المسلمين قد توارثوا ذلك
واحتاجوا له.
وأما الثالث: فيجوز في قولهم جميعًا، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان معلِّمًا
للخلق، وكان يقبل الهدية، ولحديث اللديغ لما رقوه بالفاتحة وجعلوا له جُعلًا.
103.
الضمائر في القرآن:
قال ابن مالك في "التسهيل": "الأصل تقديم مفسر ضمير
الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل، وهو إما مصرح به بلفظه، أو مستغنى عنه
بحضور مدلوله حسًّا أو علمًا، أو بذكر ما هو له جزء أو كل أو نظير أو مصاحب بوجه
ما".
وعلى هذا فالمرجع الذي يعود إليه ضمير الغيبة:
1 يكون ملفوظًا به سابقًا عليه مطابقًا له -وهذا هو الكثير الغالب- كقوله
تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} .
2 أو يكون ما سبق متضمنًا له، كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ
قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} 4. فإن ضمير
"هو" يعود على العدل الذي يتضمنه لفظ "اعدلوا" أي إن العدل
أقرب للتقوى.
3 أو دالًّا عليه بالتزام كقوله:
{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ
إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}, فالضمير في "إليه" يعود على العافي الذي يستلزمه
"عُفِيَ".
4 وقد يكون المرجع متأخرًا لفظًا لا رتبة كقوله: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً
مُوسَى} .
5 أو لفظًا ورتبة كما في باب ضمير الشأن والقصة ونعم وبئس كقوله: {قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، وقوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ}, وقوله: {بِئْسَ
لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} ، وقوله: {سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ} .
6 أو متأخرًا دالًّا عليه كقوله: {فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ},
فضمير الرفع مضمر يدل عليه "الحلقوم"، والتقدير: فلولا إذا بلغت الروح
الحلقوم,
7
أو مفهومًا من السياق كقوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا
فَانٍ}, أي على الأرض، وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}, أي
القرآن.
8
وربما عاد الضمير على اللفظ دون المعنى كقوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ
وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ}, فالضمير في "عمره"
المراد به عمر معمر آخر، قال الفراء: يريد آخر غير الأول، فكنى عنه بالضمير كأنه
الأول، لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول، كأنه قال: ولا ينقص من عمر معمر،
فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأول، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف
آخر".
9 وربما عاد الضمير على المعنى فقط كقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ
يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ
أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ
فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ} , فالضمير
في "كانتا" لم يتقدم لفظ تثنية يعود عليه، لأن الكلالة تقع على الواحد
والاثنين والجمع، فثنى الضمير الراجع إليها حملًا على المعنى.
10 وقد يؤتى بالضمير أولًا ثم يخبر عنه بما يفسره، كقوله: {إِنْ هِيَ إِلَّا
حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} .
11 وقد يثنى الضمير ويعود على أحد المذكورين كقوله: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا
اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} , وإنما يخرج
من أحدهما. وهو الملح دون العذب، لأنه إذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما. وبهذا قال
الزجاج وغيره.
12 وقد يعود على ملابس ما هو له كقوله: {لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ
ضُحَاهَا}, أي ضحى يومها لا ضحى العشية، لأن العشية لا ضحى لها.
13 وقد يراعى في الضمير اللفظ أولًا، ثم يراعى المعنى ثانيًا، كقوله: {وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ
بِمُؤْمِنِينَ}, أفرد الضمير في "يقول" باعتبار لفظ "من" ثم
جمع في "وما هم" باعتبار معناه.
104.
التعريف
والتنكير في القرآن :
للتنكير مقامات:
منها: إرادة الوحدة كقوله: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
يَسْعَى}, أي رجل واحد –
أو إرادة النوع كقوله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى
حَيَاةٍ} أي نوع من الحياة، وهو طلب الزيادة في المستقبل،
لأن الحرص لا يكون على الماضي ولا على الحاضر - .
أو هما معًا كقوله: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ}, أي كل
نوع من أنواع الدواب من أنواع الماء، وكل فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد
النطف - .
أو التعظيم كقوله: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ}, أي حرب عظيمة - .
أو التكثير كقوله: {إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا}, أي أجرًا وافرًا - .
أو هما معًا كقوله: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ
قَبْلِكَ}, أي رسل عظام ذوو عدد كثير - .
أو التحقير كقوله: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}, أي من شيء هين حقير مهين
-.
أو التقليل كقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ}8,
أي رضوان قليل منه أكبر من الجنات لأنه رأس كل سعادة.
105.
التعريف في القرآن :
التعريف له مقامات تختلف باختلاف كل نوع من أنواع التعريف.
ويكون بالإضمار لأن المقام مقام المتكلم، أو الخطاب، أو الغيبة .
وبالعلمية لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم يخصه - أو لتعظيمه
كقوله: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} ، أو إهانته كقوله: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ
وَتَبَّ}.
وبالإشارة لبيان حاله في القرب
كقوله: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} ،
أو لبيان حاله في العبد كقوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ،
أو لقصد تحقيره بالقرب كقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ
وَلَعِبٌ} ، أو لقصد تعظيمه بالبعد كقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ} ،
أو التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير بما يرد بعده من أجلها كقوله:
{هُدًى لِلْمُتَّقِينَ, الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ, وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ
إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ, أُوْلَئِكَ
عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
وبالموصول لكراهة ذكره باسمه سترًا عليه، أو غير ذلك كقوله: {وَالَّذِي
قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} ، وقوله: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي
بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} ، أو لإرادة العموم كقوله: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا
فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، أو الاختصار كقوله: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ
مِمَّا قَالُوا} ، إذ لو عدد أسماء القائلين لطال الكلام - .
وبالألف
واللام للإشارة إلى معهود ذكرى، كقوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ
الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} ، أو معهود ذهني كقوله: {لَقَدْ
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ، أو
معهود حضوري كقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، أو لاستغراق
الإفراد كقوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}, بدليل الاستثناء - أو لاستغراق
خصائص الإفراد كقوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ، أي الكتاب الكامل في الهداية الجامع
لجميع صفات الكتب المنزلة بخصائصها، أو لتعريف الماهية والحقيقة والجنس، كقوله:
{وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}.
106.
إذا ذُكر الاسم
مرتين في القرآن فله أربع أحوال: لأنه إما أن يكونا معرفتين، أو نكرتين، أو الأول
نكرة والثاني معرفة، أو بالعكس.
1- فإن كانا معرفتين فالثاني هو الأول غالبًا كقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ,
صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} .
2- وإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول غالبًا كقوله: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً} , فإن المراد
بالضعف الأول النطفة، وبالثاني الطفولية، وبالثالث الشيخوخة، وقد اجتمع القسمان في
قوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا, إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} , ولذلك رُوِي عن ابن عباس: "لن يغلب عُسر
يُسرين" لأن العسر الثاني أعاده بـ "الـ"، فكان عين الأول، ولما كان
اليُسر الثاني غير الأول لم يعده بـ "الـ".
3- وإن كان الأول نكرة، والثاني معرفة، فالثاني هو الأول حملًا على العهد. كقوله:
{كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا, فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ} .
4- وإن كان الأول معرفة، والثاني نكرة، توقف المراد على القرائن، فتارة تقوم قرينة
على التغاير. كقوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا
لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} , وتارة تقوم
قرينة على الاتحاد، كقوله: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ
مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ, قُرْآنًا عَرَبِيًّا} .
107.
الإفراد والجمع
في القرآن:
بعض ألفاظ القرآن يكون إفراده لمعنى خاص، وجمعه لإشارة معينة، أو يؤثر جمعه على
إفراده أو العكس.
فمن ذلك أننا نرى بعض الألفاظ لم يأت في القرآن إلا مجموعًا، وعند الاحتياج إلى
صيغة المفرد، يستعمل مرادفه كلفظة "اللُّب" فإنها لم ترد إلا مجموعة
كقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} , ولم يجئ في القرآن مفرده، بل جاء مكانه
"القلب" كقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ}
.
وعكس هذا النوع ألفاظ لم تأت إلا مفردة في كل موضع من مواضع القرآن. ولما أريد
جمعها جُمعت في صورة من الروعة ليس لها مثال، كقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي
خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} , ولم يقل سبحانه: "وسبع أرضين" لما
في ذلك من الخشونة واختلال النظم.
108.
بعض ألفاظ
القرآن لم تأت إلا مفردة في كل موضع من مواضع القرآن. ولما أريد جمعها جُمعت في
صورة من الروعة ليس لها مثال.
من
ذلك لفظة "السماء" ذكرت تارة بصيغة الجمع وتارة بصيغة الإفراد، لنكت
مناسبة، فحيث أريد العدد، أُتِي بصيغة الجمع الدالة على سعة العظمة والكثرة،
كقوله: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} ، وحيث أريد الجهة أُتِي بصيغة الإفراد كقوله:
{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ} .
ومن
ذلك إفراد "النور" وجمع "الظلمات"، وإفراد "سبيل
الحق" وجمع "سبل الباطل" لأن طريق الحق واحدة، وطرق الباطل متشعبة
متعددة. ولهذا وحَّد "ولي المؤمنين" وجمع "أولياء الكافرين"
لتعددهم كما في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ
يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} , وقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} .
ومن ذلك "المشرق والمغرب" بالإفراد والتثنية والجمع. فالإفراد باعتبار
الجهة والإشارة إلى ناحيتي الشرق والغرب كقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}
, والتثنية باعتبار مطلعي ومغربى الشتاء
والصيف كقوله: {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ}. والجمع باعتبار
مطلع كل يوم ومغربه، أو مطلع كل فصل ومغربه كقوله: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ
الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}.
109.
لفظ
"الريح" ذُكرت مجموعة ومفردة، فتُذكر مجموعة في سياق الرحمة وتُفرد في
سياق العذاب، وذكر في حكمة ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمنافع، ويقابل
بعضها الآخر أحيانًا. لينشأ ريح لطيفة تنفع الحيوان والنبات. فكانت في الرحمة
رياحًا. وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد، ولا معارض لها ولا دافع، وقد أخرج
ابن أبي حاتم وغيره عن أُبَيِّ بن كعب قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة،
وكل شيء من الريح فهو عذاب. ولهذا ورد في الحديث: "اللهم اجعلها رياحًا ولا
تجعلها ريحًا" وما عرج عن ذلك فهو لنكتة أخرى .
110.
مقابلة الجمع بالجمع أو بالمفرد:
مقابلة الجمع بالجمع تارة تقتضي مقابلة كل فرد من هذا، بكل فرد من هذا, كقوله:
{وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي
آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ} ,
أي استغشى كل منهم ثوبه.
وتارة يقتضي ثبوت الجميع لكل فرد من أفراد المحكوم عليه كقوله:
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ
شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} , أي اجلدوا كل واحد منهم ذلك العدد.
وتارة
يحتمل الأمرين فيحتاج إلى دليل يُعيِّن أحدهما.
أما مقابلة الجمع بالمفرد. فالغالب ألا يقتضي تعميم المفرد وقد يقتضيه كما في قوله
تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} , أي على كل واحد لكل يوم طعام مسكين.
111. ما يُظَن
أنه مترادف في القرآن وليس من المترادف:
من ذلك
"الشُّح والبخل" فالشح أشد من البخل لأنه بخل مع حرص، وذلك فيما يكون
عادة.
ومن ذلك "السبيل والطريق" فالسبيل أغلب وقوعًا في الخير، أما الطريق فلا
يكاد يُراد به الخير إلا مقترنًا بما يدل على ذلك من وصف أو إضافة كقوله: {يَهْدَي
إِلَى الْحَقِ وَإَلَى طَرِيْقٍ مُسْتَقِيْم} , قال الراغب في مفرداته: السبيل: الطريق الذي
فيه سهولة فهو أخص.
ومن ذلك "مد وأمد" قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب كقوله:
{وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ} , والمد
في المكروه كقوله: {وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا} .
112.
الفرق بين
"الخوف والخشية" فالخشية أعلى من الخوف. وهي أشد منه لأنها مأخوذة من
قولهم: شجرة خشية: أي يابسة، وهو فوات الكلية. والخوف من قولهم: ناقة خوفاء: أي
بها داء. وهو نقص وليس بفوات. كما أن الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي
قويًّا. فهي خوف يشوبه تعظيم. والخوف من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا.
ومادة الخشية: الخاء والشين والياء، في تصاريفها تدل على العظمة، فالشيخ: السيد
الكبير، والخيش: الغليظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالبًا في حق الله تعالى،
كقوله: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ، وأما قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ
فَوْقِهِمْ} , فقد جاء في وصف الملائكة
بعد ذكر قوتهم وشدة خلقهم، فالتعبير عنهم بالخوف لبيان أنهم وإن كانوا غلاظًا
شدادًا فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفه بالفوقية الدالة على العظمة، فجمع بين
الأمرين اللذين تتضمنهما الخشية دون إخلال بقوة بأسهم، وهما خوفهم من ربهم مع
تعظيمه سبحانه.
113.
السؤال والجواب:
الأصل في الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال، وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال
تنبيهًا على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، وهو المسمى بأسلوب الحكيم،
ويمثلون له بقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ
مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ} , فقد
سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الهلال: لم يبدو دقيقًا مثل الخيط ثم
يزيد قليلًا حتى يمتلئ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ؟ فأجيبوا ببيان حكمة ذلك
تنبيهًا على أن الأهم السؤال عن ذلك لا ما سألوا عنه.
وقد يجيء الجواب أعم من السؤال للحاجة إليه كقوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ
يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ} , في جواب: {مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ
الْبَرِّ وَالْبَحْر} .
وقد يجيء أنقص لاقتضاء الحال ذلك كقوله تعالى: {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ
أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} , في
جواب: {ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} ؛ لأن التبديل أسهل من الاختراع، وقد نفى إمكانه
فالاختراع أولى.
والسؤال إذا كان لطلب معرفة تعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه وتارة بـ
"عن" وهو أكثر كقوله: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ} ،
وإذا
كان لاستدعاء مال ونحوه فإنه يتعدى بنفسه أو بـ "من" وبنفسه أكثر كقوله:
{وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ} ، وقوله:
{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} .
114. الخطاب
بالاسم والخطاب بالفعل في القرآن:
الاسم يدل على الثبوت والاستمرار. والفعل يدل على التجدد والحدوث، ولكل منهما
موضعه الذي لا يصلح له الآخر، فيأتي التعبير مثلًا في النفقة بالفعل كقوله:
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} , ولم يقل "المنفقون" ويأتي التعبير
في الإيمان بالاسم كقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ} ؛ لأن النفقة أمر فعلي شأنه
الحدوث والتجدد بخلاف الإيمان فإنه له حقيقة تقوم بدوام مقتضاها، والمراد بالتجدد
في الماضي الحصول مرة بعد أخرى, وفي المضارع أن من شأنه أن يتكرر ويقع مرة بعد
أخرى، ومضمر الفعل في ذلك كمظهره.
115.
المراد بالتجدد
في الماضي الحصول مرة بعد أخرى, وفي المضارع أن من شأنه أن يتكرر ويقع مرة بعد
أخرى، ومضمر الفعل في ذلك كمظهره ولهذا قالوا: إن سلام إبراهيم عليه السلام أبلغ
من سلام الملائكة في قوله تعالى: {إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا} , فالنصب على أنه مصدر سد مسد الفعل، وأصله:
نسلم عليك سلامًا، وهذه العبارة مؤذنة بحدوث التسليم منهم، بخلاف رده: {قَالَ
سَلامٌ} , فإنه معدول به إلى الرفع على
الابتداء، وخبره محذوف والمعنى: عليكم سلام. للدلالة على إثبات السلام، كأنه قصد
أن يحييهم بأحسن مما حيوه به، أخذًا بأدب الله تعالى3 وهو أيضًا من إكرامه لهم.
116.
العطف:
وهو ثلاثة أقسام:
1- عطف على اللفظ: وهو الأصل.
2- وعطف على المحل: وجعل منه الكسائي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِونَ} ,
فجعل "الصابئون" عطفًا على محل "إن" واسمها، ومحلها الرفع
بالابتداء.
3- وعطف على المعنى: ومنه قوله تعالى: {لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ
فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ} , خرَّجه في قراءة
غير الخليل وسيبويه على أنه عطف على المعنى، لأن معنى "لولا أخرتني
فأصَّدَّق" ومعنى "أخرني أصَّدَّق" واحد، كأنه قيل: إن أخرتني
أصَّدَّق وأكن.
117. اختُلِف
في جواز عطف الخبر على الإنشاء وعكسه، فمنعه الأكثرون، وأجازه جماعة مستدلين بقوله
تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} , عطف
على "تؤمنون" في الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ, تُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} , وخرَّجه الآخرون
على أن "تؤمنون" بمعنى آمنوا، فهو خبر بمعنى الإنشاء، فصح عطف الإنشاء
عليه، و"بشِّر" كأنه قيل: آمنوا وجاهدوا يثبتكم الله وينصركم، وبشِّر يا
رسول الله المؤمنين بذلك، وفائدة التعبير بالخبر في موضع الأمر الإيذان بوجوب
الامتثال، أي كأنه امتثل فهو يُخبر عن إيمان وجهاد موجودين.
118.
القواعد التي
يحتاج إليها المفسر:
1- الضمائر:
2- التعريف والتنكير:
3- الإفراد والجمع:
4- مقابلة الجمع بالجمع أو بالمفرد:
5- ما يُظَن أنه مترادف وليس من المترادف:
6- السؤال والجواب:
7- الخطاب بالاسم والخطاب بالفعل:
8- العطف:
119.
الفرق بين
الإيتاء والإعطاء في القرآن:
قال الجويني: "إن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله، لأن الإعطاء له
مطاوع، يقال: أعطاني فعطوت، ولا يقال في الإيتاء: آتاني فأتيت، وإنما يقال: آتاني
فأخذت, والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله من الذي لا مطاوع له، فالإيتاء
إذن أقوى من الإعطاء".
قال تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}, لأن الحكمة إذا ثبتت في المحل دامت، وهي عظيمة الشأن،
وقال: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} ؛ لأن بعد الكوثر منازل أعلى، حيث يكون
الانتقال إلى ما هو أعظم منه في الجنة.
120.
لفظ
"فعل" في القرآن:
يجيء لفظ "فعل" كناية عن أفعال متعددة لا للدلالة على فعل واحد. فيفيد
بهذا الاختصار، كقوله تعالى: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}, فإنها تشمل كل
منكر لا يتناهون عنه، وقوله: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا}, أي فإن
لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله.
وحيث أطلقت في كلام الله فهي محمولة على الوعيد الشديد كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} ، وقوله: {وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ
فَعَلْنَا بِهِمْ}.
121. لفظ
" كان " تفيد اقتران معنى الجملة التي تليها بالزمن الماضي لا غير، ولا
دلالة لها نفسها على انقطاع ذلك المعنى ولا بقائه، بل إن أفاد الكلام شيئًا من ذلك
كان لدليل آخر.
وعلى هذا يُحمل معناها فيما وقع في القرآن من إخبار الله تعالى عن صفاته وغيرها
بلفظ "كان" كثيرًا. مثل قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا
عَلِيمًا} ، {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ}.
وحيث أخبر الله بها عن صفات الآدميين فالمراد التنبيه على أنها فيهم غريزة وطبيعة
مركوزة في النفس كقوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} ، وقوله: {إِنَّهُ
كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}.
122.
تتبع أبو بكر
الرازي استعمال "كان" في القرآن، واستنبط وجوه استعمالها فقال:
"كان" في القرآن على خمسة أوجه:
بمعنى الأزل والأبد، كقوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
وبمعنى المعنى المنقطع, كقوله تعالى: {وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ},
وهو الأصل في معاني "كان" كما تقول: كان زيد صالحًا أو فقيرًا أو مريضًا
أو نحوه.
وبمعنى الحال، كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} ، وقوله: {إِنَّ الصَّلاةَ
كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}.
وبمعنى الاستقبال، كقوله تعالى: {وَيَخَافُونَ
يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا}.
وبمعنى "صار" كقوله: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}.
123.
لفظ
"كاد" في القرآن:
وللعلماء في "كاد" مذاهب:
أحدها: أنها كسائر الأفعال نفيًا وإثباتًا، فإثباتها إثبات ونفيها نفي، لأن معناها
المقاربة، فمعنى كاد يفعل: قارب الفعل، ومعنى ما كاد يفعل: لم يقاربه، فخبرها منفي
دائمًا، ولكن النفي في الإثبات مستفاد من معناها، ويدل له قوله تعالى: {إِذَا
أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا}, ولهذا كان أبلغ من قوله: "لم
يرها" لأن من لم ير قد يقارب الرؤية.
والثاني: أنها تختلف عن سائر الأفعال إثباتًا ونفيًا، فإثباتها نفي، ونفيها إثبات،
بدليل قوله تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ}, لأنهم لم يفتنوه، وإذا قيل:
لم يكد يفعل، فمعناه أنه فعله بدليل قوله تعالى: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا
يَفْعَلُونَ}, لأنهم فعلوا الذبح.
والثالث: أنها في النفي تدل على وقوع الفعل بعسر وشدة كقوله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا
كَادُوا يَفْعَلُونَ}
والرابع: التفصيل في النفي بين المضارع والماضي، فنفي المضارع نفي، ونفي الماضي
إثبات، يدل على الأول قوله: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} مع أنه لم ير شيئًا، ويدل على
الثاني قوله: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُون} مع أنهم فعلوا.
والخامس: أنها في النفي تكون للإثبات إذا كان ما بعدها متصلًا بما قبلها ومتعلقًا
به، كقولك: ما كدت أصل إلى مكة حتى طفت بالبيت الحرام، ومنه قوله تعالى:
{فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} .
124. تأتي
"جعل" في القرآن لعدة معان:
أحدها: بمعنى "سمى" كقوله تعالى: {الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ
عِضِينَ}, أي سموه كذبًا.
الثاني: بمعنى "أوجد" وتتعدى إلى مفعول واحد، والفرق بينها وبين الخلق،
أن الخلق فيه معنى التقدير، ويكون عن عدم سابق حيث لا يتقدم مادة ولا سبب محسوس،
بخلاف الجعل بمعنى الإيجاد، قال تعالى: {الحَمْدُ للّهِ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ}. وإنما الظلمات
والنور تنشأ عن أجرام توجد بوجودها، وتعدم بعدمها.
الثالث: بمعنى النقل من حال إلى حال والتصيير، فتتعدى إلى مفعولين: إما حسًّا
كقوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاش} ، وإما عقلًا كقوله:
{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا}.
الرابع: بمعنى الاعتقاد، كقوله تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ} .
الخامس: بمعنى الحكم بالشيء على الشيء، حقًّا كان أوباطلًا، فالحق، كقوله تعالى:
{إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، والباطل، كقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا
ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} .
125. "لعل"
و"عسى":
تستعمل "لعل" و"عسى" للرجاء والطمع في كلام المخلوقين حيث يشك
الخلق في الأمور الممكنة ولا يقطعون على الكائن منها، أما بالنسبة إلى الله تعالى:
أ- فقيل: هما يدلان على الحصول والوجوب، لأن نسبة الأمور إلى الله نسبة قطع ويقين.
ب- وقيل إنهما للترجي على بابهما، ولكن الترجي يكون بالنسبة إلى المخاطبين.
جـ- وقيل: إن "عسى" و"لعل" في كثير من المواضع تكون للتعليل.
قال تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} ، وقال سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 2.
126.
قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} , المراد بالناس الأولى نعيم بن مسعود، والمراد
بالناس الثانية أبو سفيان لا العموم في كل منهما، يدل على هذا قوله تعالى:
{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ} , فوقعت
الإشارة بقوله: {ذَلِكُمُ} إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى به جمعًا لقال:
"إنما أولئكم الشيطان"
127.
تخصيص السٌّنَّة
بالقرآن:
وقد يخصص القرآن السٌّنَّة، ويمثلون لذلك بما رُوي عن أبي واقد الليثي -رضي الله
عنه- قال: قال النبي, صلى الله عليه وسلم: "ما قُطِع من البهيمة وهي حية فهو
ميت" فهذا الحديث خُص بقوله تعالى:
{وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى
حِينٍ}.
128.
اختُلِف في
الخطاب الخاص بالرسول -صلى الله عليه وسلم- كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ}. وقوله: {يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر}.
هل
يشمل الأمة أم لا يشملها؟
أ- فذهب قوم إلى أنه يشملها باعتباره قدوة لها.
ب- وذهب آخرون إلى أنه لا يشملها؛ لأن الصيغة تدل على اختصاصه بها.
129. اختلفوا في الخطاب من الله
تعالى بـ "يَا أَيُّهَا النَّاسُ" كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} 3, هل يشمل الرسول
أم لا؟
والصحيح
في ذلك أنه يشمله لعمومه وإن كان الخطاب قد ورد على لسانه ليُبلِّغ غيره.
وقد فصل بعضهم فقال: إن اقترن الخطاب بـ "قل" لم يشمله لأن ظاهره البلاغ
كقوله: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} , وإلا شمله.
130. ما ورد في الخطاب مضافًا
إلى الناس أو المؤمنين كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ
ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} ، وقوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ
وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ}.
فالمختار في الأول: أنه يشمل الكافر والعبد والأنثى.
والمختار في الثاني: أنه يشمل الأخيرين فقط لمراعاة التكليف بالنسبة إلى الجميع،
وخروج العبد عن بعض الأحكام كوجوب الحج والجهاد إنما هو لأمر عارض كفقره واشتغاله
بخدمة سيده.
131.
متى اجتمع
المذكر والمؤنث غلب التذكير. وأكثر خطاب الله تعالى في القرآن بلفظ التذكير،
والنساء يدخلن في جملته. وقد يأتي ذكرهن بلفظ مفرد تبيينًا وإيضاحًا. وهذا لا يمنع
دخولهن في اللفظ العام الصالح لهن، كما جاء في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} .
132.
ما يقع فيه
النسخ:
النسخ لا يكون إلا في الأوامر والنواهي - سواء أكانت صريحة في الطلب أو كانت بلفظ
الخبر الذي بمعنى الأمر أو النهي، على أن يكون ذلك غير متعلق بالاعتقادات التي
ترجع إلى ذات الله تعالى وصفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر، أو الآداب الخُلُقية،
أو أصول العبادات والمعاملات لأن الشرائع كلها لا تخلو عن هذه الأصول. وهي متفقة
فيها، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ
أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ
عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} .
وقال: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا} .
كما لا يدخل النسخ الخبر الصريح الذي ليس بمعنى الطلب كالوعد والوعيد.
133.
رُوِي أن عليًّا
-رضي الله عنه- مرَّ على قاض فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال:
هلكت وأهلكت. وعن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ
فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} 1, قال: "ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه
ومقدمه ومؤخره، وحرامه وحلاله" .
134.
جاء في نصوص
التوراة النسخ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حِلِّه قال تعالى في
إخباره عنهم: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا
حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ} .
وقال: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي} ... الآية.
وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج من الأخت. وقد حرم الله ذلك على موسى، وأن موسى
أمر بني إسرائيل أن يقتلوا مَن عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم.
135.
الناس في النسخ على أربعة أقسام:
1- اليهود: وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البَدَاء، وهو الظهور بعد الخفاء،
وهم يعنون بذلك: أن النسخ إما أن يكون لغير حكمة، وهذا عبث محال على الله، وإما أن
يكون لحكمة ظهرت ولم تكن ظاهرة من قبل، وهذا يستلزم البَدَاء وسبق الجهل، وهو محال
على الله تعالى.
2-
الروافض: وهؤلاء غلوا في إثبات النسخ وتوسعوا فيه، وأجازوا البَدَاء على الله
تعالى، فهم مع اليهود على طرفي نقيض.
3- أبو مسلم الأصفهاني 1 : وهو يجوِّز النسخ عقلًا ويمنع وقوعه شرعًا، وقيل يمنعه
في القرآن خاصة.
4- جمهور العلماء: على جواز النسخ عقلًا ووقوعه شرعًا .
136.
ما الحكمة في
رفع الحكم وبقاء التلاوة ؟
والجواب من وجهين..
أحدهما: أن القرآن كما يُتلى ليُعرف الحكم منه، والعمل به، فإنه يُتلى كذلك لكونه
كلام الله تعالى فيُثاب عليه، فتُرِكت التلاوة لهذه الحكمة.
وثانيهما: أن النسخ غالبًا يكون للتخفيف, فأُبقيت التلاوة تذكيرًا بالنعمة في رفع
المشقة.
وأما حكمة النسخ قبل العمل، كالصدقة عند النجوى، فيُثاب على الإيمان به، وعلى نية
طاعة الأمر.
137.
رُوِي في الصحيحين
عن أنس في قصة أصحاب بئر معونة الذين قُتِلوا وقَنَتَ الرسول يدعو على قاتليهم،
قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رُفِع: "أن بلِّغوا عنا قومنا أنَّا
لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" ثم نُسِخَت تلاوته
138.
شُبَهُ النسخ:
1- اعتبار التخصيص نسخًا .
2- اعتبار البيان نسخًا .
3- اعتبار ما شُرِعَ لسبب ثم زال السبب من المنسوخ، كالحث على الصبر وتحمل أذى
الكفار في مبدأ الدعوة حين الضعف والقلة، قالوا إنه منسوخ بآيات القتال، والحقيقة
أن الأول - وهو وجوب الصبر والتحمل - كان ويكون لحالة الضعف والقلة. وإذا وُجِدَت
الكثرة والقوة وجب الدفاع عن العقيدة بالقتال، وهو الحكم الثاني.
4- اعتبار ما أبطله الإسلام من أمر الجاهلية أو من شرائع الأمم السابقة نسخًا:
كتحديد عدد الزوجات بأربع، ومشروعية القِصاص والدِّيَة، وقد كان عند بني إسرائيل
القِصاص فقط كما قال ابن عباس ورواه البخاري1، ومثل هذا ليس نسخًا، وإنما هو رفع
للبراءة الأصلية.
139.
ذهب ابن عباس
-رضي الله عنهما- إلى منع توريث الأخت مع
البنت استدلالًا بقوله تعالى: {إِنِ
امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} , حيث إنه فهم من توريث الأخت مع عدم الولد
امتناع توريثها مع البنت؛ لأنها ولد، وهو من فصحاء العرب، وترجمان القرآن.
140.
رُوِي: "أن
يعلى بن أمية" قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنا: وقد قال الله تعالى:
{فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} , ووجه الاحتجاج به أنه فهم من تخصيص القَصر عند
الخوف عدم القَصر عند الأمن، ولم يُنكر عليه عمر، بل قال: "لقد عجبتُ مما
عجبتَ منه، فسألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال لي: "هي صدقة تصدق
الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" ,
ويعلى بن أمية وعمر من فصحاء العرب، وقد فهما ذلك، والنبي -صلى الله عليه وسلم-
أقرهما عليه.
141.
يقول الرافعي:
"ما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام
هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة، وتعاوروه من كل ناحية، وأخلقوا جوانبه
بحثًا وتفتيشًا، ثم هو بعدُ لا يزال عندهم على كل ذلك خلقًا جديدًا، ومرامًا
بعيدًا".
142.
التحدي إنما وقع
للإنس دون الجن؛ لأن الجن ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على
أساليبه، وإنما ذُكروا في قوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ
وَالْجِنُّ} تعظيمًا لإعجازه؛ لأنه إذا فُرض اجتماع الإنس والجن وظاهر بعضهم بعضًا
وعجزوا عن المعارضة كان الفريق الواحد أعجز – [والآية من سورة الإسراء: 88].
143.
ثبت أن الرسول
-صلى الله عليه وسلم- تحدى العرب بالقرآن على مراحل ثلاث:
أ- تحداهم بالقرآن كله في أسلوب عام يتناولهم ويتناول غيرهم من الإنس والجن
تحديًّا يظهر على طاقتهم مجتمعين، بقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} .
ب- ثم تحداهم بعشر سور منه في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ
فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َفَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ
فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} .
جـ- ثم تحداهم بسورة واحدة منه في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} ، وكرر هذا
التحدي في قوله: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه} .
144.
وجوه إعجاز
القرآن:
الحقيقة أن القرآن معجز بكل ما يتحمله هذا اللفظ من معنى:
فهو مُعْجز في ألفاظه وأسلوبه، والحرف الواحد منه في موضعه من الإعجاز الذي لا
يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة،
والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.
وهو مُعْجز في بيانه ونظمه، يجد فيه القارئ صورة حية للحياة والكون والإنسان.
وهو مُعجز في معانيه التي كشفت الستار عن الحقيقة الإنسانية ورسالتها في الوجود.
وهو مُعجز بعلومه ومعارفه التي أثبت العلم الحديث كثيرًا من حقائقها المغيبة.
وهو مُعجز في تشريعه وصيانته لحقوق الإنسان وتكوين مجتمع مثالي تسعد الدنيا على
يديه.
والقرآن -أولًا وآخرًا- هو الذي صير العرب رعاة الشاء والغنم ساسة شعوب وقادة أمم،
وهذا وحده إعجاز.
145.
قال الخطابي:
" أن القرآن إنما صار معجزًا؛ لأنه جاء بأفصح الألفاظ، في أحسن نظوم التأليف،
مضمنًا أصح المعاني، من توحيد الله وتنزيهه في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان
لمنهاج عبادته، في تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم، وأمر بمعروف ونهي
عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساويها، واضعًا كل شيء منها موضعه
الذي لا يُرى شيء أولى منه، ولا يُتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعًا
أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئًا عن
الكوائن المستقبلة في الأعصار الماضية من الزمان - جامعًا في ذلك بين الحجة
والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن
وجوب ما أمر به ونهى عنه.
ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور, والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق، أمر تعجز
عنه قوى البشر, ولا تبلغه قدرتهم، فانقطع الخلق دونه، وعجزوا عن معارضته
بمثله".
146.
ولقد وقع التحدي
بالقرآن كله: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا
بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} .
وبعشر سور: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} .
وبسورة واحدة: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} .
وبحديث مثله: {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} .
ونحن لا نرى الإعجاز في قدر معين؛ لأننا نجده في أصوات حروفه ووقع كلماته، كما
نجده في الآية والسورة، فالقرآن كلام الله وكفى.
147. " الأوكسجين" ضروري لتنفس الإنسان، ويقل في طبقات الجو
العليا, فكلما ارتفع الإنسان في أجواء السماء أحس بضيق الصدر وصعوبة التنفس، والله
تعالى يقول: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} .
وقد ساد الاعتقاد بأن الذرة هي الجزء الذي لا يقبل التجزئة، وفي القرآن: {وَمَا
يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ
وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} , ولا أصغر من الذرة سوى تحطيم الذرة.
148.
حسب المسلم في
تربيته أن يقف بين يدي الله خمس مرات في اليوم الواحد تمتزج حياته بشرع الله،
ويتمثل الوازع الأعلى نصب عينيه ما بين كل صلاة وصلاة: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} .
والزكاة تقتلع من النفس جذور الشح، وعبادة المال، والحرص على الدنيا، وهي مصلحة
للجماعة، فتقيم دعائم التعاون بين المجدودين والمحرومين، وتشعر النفس بتكامل
الجماعة شعورًا يخرجها من ضيق الأثرة والانفراد.
والحج سياحة تروِّض النفس على المشقة، وتفتح بصيرتها على أسرار الله في خلقه، وهو
مؤتمر عالمي يجتمع فيه المسلمون على صعيد واحد، فيتعارفون ويتشاورون.
والصيام ضبط للنفس، وشحذ لعزيمتها، وتقوية للإرادة، وحبس للشهوات، وهو مظهر
اجتماعي يعيش فيه المسلمون شهرًا كاملًا على نظام واحد في طعامهم. كما تعيش الأسرة
في البيت الواحد.
149. قرر القرآن صيانة الكليات
الخمسة الضرورية للحياة الإنسانية: النفس، والدين، والعِرض، والمال، والعقل, ورتب
عليها العقوبات المنصوصة، التي تُعرف في الفقه الإسلامي بالجنايات والحدود:
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} .
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}
.
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ
شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ} .
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} .
150.
إن القرآن دستور
تشريعي كامل يقيم الحياة الإنسانية على أفضل صورة وأرقى مثال، وسيظل إعجازه
التشريعي قرينًا لإعجازه العلمي وإعجازه اللغوي إلى الأبد. ولا يستطيع أحد أن ينكر
أنه أحدث في العالَم أثرًا غيَّر وجه التاريخ.
151. عن علي رضي الله عنه أن رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله أنزل القرآن آمرًا وزاجرًا، وسُنة
خالية، ومثلًا مضروبًا"
152.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: "لم أر من
أهل الحديث من صنف فأفرد للأمثال بابًا غير أبي عيسى، ولله دره، لقد فتح بابًا،
وبنى قصرًا أو دارًا، ولكنه اختط خطًّا صغيرًا. فنحن نقنع به، ونشكره عليه".
153.
قوله تعالى في حق المنافقين: {مَثَلُهُمْ
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ
اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ } إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ}.
ففي هذه الآيات ضرب الله للمنافقين مثلين: مثلًا ناريًّا في قوله: {مَثَلُهُمْ
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} لما في النار من مادة النور، ومثلًا مائيًّا
في قوله: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} .. لما في الماء من مادة الحياة، وقد
نزل الوحي من السماء متضمنًا لاستنارة القلوب وحياتها. وذكر الله حظ المنافقين في
الحالين. فهم بمنزلة من استوقد نارًا للإضاءة والنفع حيث انتفعوا ماديًّا بالدخول
في الإسلام, ولكن لم يكن له أثر نوري في قلوبهم، فذهب الله به في النار من
الإضاءة: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} وأبقى ما فيها من الإحراق، وهذا مثلهم
الناري.
وذكر مثلهم المائي فشبههم بحال من أصابه مطر فيه ظلمة ورعد وبرق فخارت قواه ووضع
أصبعيه في أذنيه وأغمض عينيه خوفًا من صاعقة تصيبه؛ لأن القرآن بزواجره وأوامره
ونواهيه وخطابه نزل عليهم نزول الصواعق.
154.
قال تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً
وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ
زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي
الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} .
شبه الوحي الذي أنزله من السماء لحياة القلوب بالماء الذي أنزله لحياة الأرض
بالنبات، وشبه القلوب بالأودية, والسيل إذا جرى في الأودية احتمل زبدًا وغثاء،
فكذلك الهُدى والعلم إذا سرى في القلوب أثار ما فيها من الشهوات ليذهب بها، وهذا
هو المثل المائي في قوله: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} وهكذا يضرب الله الحق
والباطل.
وذكر المثل الناري في قوله: {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ} ..
فالمعادن من ذهب أو فضة أو نحاس أو حديد عند سبكها تخرج النار ما فيها من الخبث
وتفصله عن الجوهر الذي ينتفع به فيذهب جفاء. فكذلك الشهوات يطرحها قلب المؤمن
ويجفوها كما يطرح السيل والنار ذلك الزبد وهذا الخبث.
155.
الأمثال الكامنة - وهي التي لم يصرح فيها بلفظ
التمثيل، ولكنها تدل على معان رائعة في إيجاز: يكون لها وقعها إذا نقلت إلى ما
يشبهها، ويمثلون لهذا النوع بأمثلة منها:
1- ما في معنى قولهم: "خير الأمور الوسط":
أ- قوله تعالى في البقرة: {لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} .
ب- قوله تعالى في النفقة: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} .
2- ما في معنى قولهم: "ليس الخبر كالمعاينة":
قوله تعالى في إبراهيم عليه السلام: {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} .
3- ما في معنى قولهم: "كما تدين تُدان":
قوله تعالى: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} .
4- ما في معنى: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين":
قوله تعالى على لسان يعقوب: {قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا
أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْل} .
156.
الأمثال المرسلة: وهي جمل أرسلت إرسالًا من غير
تصريح بلفظ التشبيه. فهي آيات جارية مجرى الأمثال.
ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
1- {الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} . 2- {لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ}
2. 3- {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}.
4- {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} . 5- {لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ} 5. 6- {وَلا
يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} .
7- {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} . 8- {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شيئًا
وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} 9- {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} 9.
10- {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} . 11- {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا
لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} 11.
12- {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} . 13- {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ
الْعَامِلُونَ} . 14- {لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} .
15- {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} . 16-
{تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} .
157.
اختلفوا في نوع من الآيات يسمونه إرسال المثل،
ما حكم استعماله استعمال الأمثال؟
فرآه بعض أهل العلم خروجًا عن أدب القرآن، قال الرازي في تفسير قوله تعالى:
{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} : "جرت عادة الناس بأن يتمثلوا بهذه الآية
عند المتاركة، وذلك غير جائز؛ لأنه تعالى ما أنزل القرآن ليتمثل به، بل يتدبر فيه،
ثم يعمل بموجبه".
ورأى آخرون أنه لا حرج فيما يظهر أن يتمثل الرجل بالقرآن في مقام الجد، كأن يأسف
أسفًا شديدًا لنزول كارثة قد تقطعت أسباب كشفها عن الناس فيقول: {لَيْسَ لَهَا
مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ} ، والإثم الكبير في أن يقصد الرجل إلى التظاهر
بالبراعة فيتمثل بالقرآن حتى في مقام الهزل والمزاح6.
158.
ضرب الأمثال بالقرآن:
جرت عادة أهل الأدب أن يسوقوا الأمثلة في مواطن تشبه الأحوال التي قيلت فيها، وإذا
صح هذا في أقوال الناس التي جرت مجرى المثل، فإن العلماء يكرهون ضرب الأمثال
بالقرآن، ولا يرون أن يتلو الإنسان آية من آيات الأمثال في كتاب الله عند شيء يعرض
من أمور الدنيا، حفاظًا على روعة القرآن، ومكانته في نفوس المؤمنين، قال أبو عبيد:
"وكذلك الرجل يريد لقاء صاحبه أو يهم بحاجته، فيأتيه من غير طلب فيقول
كالمازح: {جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} , فهذا من الاستخفاف بالقرآن"، ومنه قول
ابن شهاب الزهري: "لا تناظر بكتاب الله ولا بسُنة رسول الله, صلى الله عليه
وسلم"، قال أبو عبيد: "يقول: لا تجعل لها نظيرًا من القول ولا
الفعل".
159.
الصيغة الأصلية للقسم أن يؤتى بالفعل
"أقسم" أو "أحلف" متعديًا بالباء إلى المُقسم به. ثم يأتي
المُقسم عليه، وهو المسمى بجواب القسم، كقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ
جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ} ولما كان القسم يكثر في الكلام، اختصر فصار فعل
القسم يحذف ويكتفى بالباء ثم عُوِّض عن الباء بالواو في الأسماء الظاهرة وهو كثير كقوله
تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى}, وبالتاء في لفظ الجلالة وهو قليل كقوله:
{وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} .
والقسم واليمين واحد: ويعرف بأنه: ربط النفس، بالامتناع عن شيء أو الإقدام عليه،
بمعنى معظم عند الحالف حقيقة أو اعتقادًا. وسُمي الحلف يمينًا؛ لأن العرب كان
أحدهم يأخذ بيمين صاحبه عند التحالف.
160.
أضرب الخبر الثلاثة: الابتدائي، والطلبي،
والإنكاري.
فقد يكون المخاطَب خالي الذهن من الحكم فيُلقى إليه الكلام غفلًا من التأكيد،
ويُسمى هذا الضرب: ابتدائيًّا.
وقد يكون مترددًا في ثبوت الحكم وعدمه، فيحسن تقوية الحكم له بمؤكد ليزيل تردده،
ويُسمى هذا الضرب: طلبيًّا.
وقد يكون منكرًا للحكم، فيجب أن يؤكد له الكلام بقدر إنكاره قوة وضعفًا، ويُسمى
هذا الضرب: إنكاريًّا.
161.
فائدة القسم في القرآن:
القسم من المؤكدات المشهورة التي تمكن الشيء في النفس وتقويه، وقد نزل القرآن
الكريم للناس كافة، ووقف الناس منه مواقف متباينة، فمنهم الشاك، ومنهم المنكر،
ومنهم الخصم الألد. فالقسم في كلام الله يزيل الشكوك، ويحبط الشبهات، ويقيم الحجة،
ويؤكد الأخبار، ويقرر الحكم في أكمل صورة.
162.
أقسم الله تعالى بنفسه في القرآن في سبعة
مواضع:
1- في قوله: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي
لَتُبْعَثُنَّ} .
2- وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى
وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} .
3- وقوله: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} .
وفي هذه الثلاثة أمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقسم به.
4- وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ} .
5- وقوله: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} .
6- وقوله: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ
بَيْنَهُمْ} .
7- وقوله: {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ}.
163. إنما أقسم الله بمخلوقاته؛ لأنها تدل
على بارئها، وهو الله تعالى، وللإشارة إلى فضيلتها ومنفعتها ليعتبر الناس بها وعن
الحسن قال: "إن الله يقسم بما شاء من خلقه وليس لأحد أن يقسم إلا بالله".
164.
أدخلت "لا" النافية على فعل القسم في
بعض المواضع. كقوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ، الْقِيَامَةِ وَلا أُقْسِمُ
بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}, فقيل: "لا" في الموضعين نافية لمحذوف يناسب
المقام، والتقدير مثلًا: لا صحة لما تزعمون أنه لا حساب ولا عقاب، ثم استأنف فقال:
أقسم بيوم القيامة، وبالنفس اللوامة، أنكم ستبعثون. وقيل: "لا" لنفي
القسم كأنه قال: لا أقسم عليك بذلك اليوم وتلك النفس، ولكني أسألك غير مقسِم،
أتحسب أنَّا لا نجمع عظامك إذا تفرقت بالموت؟ إن الأمر من الظهور بحيث لا يحتاج
إلى قسم. وقيل: "لا" زائدة - وجواب القسم في الآية المذكورة محذوف دل
عليه قوله بعد: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ} ... إلخ، والتقدير: لتبعثن ولتحاسبن.
165.
جواب القسم يُذكر تارة -وهو الغالب- وتارة
يحذف، كما يحذف جواب "لو" كثيرًا، كقوله: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ
عِلْمَ الْيَقِينِ} , وحذف مثل هذا من
أحسن الأساليب؛ لأنه يدل على التفخيم والتعظيم، فالتقدير مثلًا: لو تعلمون ما بين
أيديكم علم الأمر اليقين لفعلتم ما لا يوصف من الخير، فحذف جواب القسم .
وقد يحذف الجواب لدلالة المذكور عليه،
كقوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ
اللَّوَّامَةِ} , فجواب القسم محذوف دل
عليه قوله بعد: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ} ... إلخ، والتقدير، لتبعثن ولتحاسبن.
166.
أحوال المقسَم عليه:
يقسم الله على أصول الإيمان التي يجب
على الخلق معرفتها فتارة يقسم على التوحيد كقوله: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا،
فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا، إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ} .
وتارة يقسم على أن القرآن حق كقوله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ،
وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ} 2.
وتارة على أن الرسول حق كقوله: {يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ
الْمُرْسَلِينَ} .
وتارة على الجزاء والوعد والوعيد: كقوله: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلاتِ
وِقْرًا، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا، إِنَّمَا
تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ، وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ} 4.
وتارة على حال الإنسان، كقوله: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا
تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} 5.
167.
قال الزركشي: "اعلم أن القرآن العظيم قد
اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة، وما بين برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شيء
من كليات المعلومات العقلية والسمعية إلا وكتاب الله تعالى قد نطق به، لكن أورده
تعالى على عادة العرب دون دقائق طرق أحكام المتكلمين لأمرين.
أحدهما: بسبب ما قاله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ
لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} .. الآية .
والثاني: أن المائل إلى دقيق المحاجة هو العاجز عن إقامة الحجة بالجليل من الكلام،
فإن من استطاع أن يفهم بالأوضح الذي يفهمه الأكثرون لم يتخط إلى الأغمض الذي لا
يعرفه إلا الأقلون ولم يكن ملغزًا، فأخرج تعالى مخاطباته في محاجة خلقه من أجل
صورة تشتمل على أدق دقيق، لتفهم العامة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجة، وتفهم
الخواص من أثنائها ما يوفى على ما أدركه فهم الخطباء.
168.
الوجه كل من كان حظه في العلوم أوفر كان نصيبه
من علم القرآن أكثر، ولذلك إذا ذكر تعالى حجة على ربوبيته ووحدانيته أتبعها مرة
بإضافته إلى أولي العقل، ومرة إلى السامعين، ومرة إلى المفكرين، ومرة إلى
المتذكرين، تنبيهًا أن بكل قوة من هذه القوى يمكن إدراك حقيقة منها، وذلك نحو قوله
تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} , وغيرها من الآيات.
169.
أنواع من مناظرات القرآن وأدلته:
أ- ما يذكره تعالى من الآيات الكونية المقرونة بالنظر والتدبر للاستدلال على أصول
العقائد كتوحيده سبحانه والإيمان به وهذا النوع كثير في القرآن. فمنه قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا
وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ..} .
ب- ما يرد به على الخصوم ويلزم أهل العناد، ولهذا صور مختلفة:
1- منها تقرير المخاطب بطريق الاستفهام عن الأمور التي يسلم بها الخصم وتسلم بها
العقول حتى يعترف بما ينكره، كالاستدلال بالخلق على وجود خالق في مثل قوله تعالى:
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، ...} .
2- الاستدلال بالمبدأ على المعاد. كقوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ
الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} ، ومثله الاستدلال بحياة الأرض بعد موتها بالإنبات
على الحياة بعد الموت للحساب كقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ
خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ
الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى} .
3- إبطال دعوى الخصم بإثبات نقيضها كقوله تعالى: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ
الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ
تُبْدُونَهَا ..} , ردًّا على اليهود فيما
حكاه الله عنهم بقوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا
أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْء} .
4- السبر والتقسيم - بحصر الأوصاف، وإبطال أن يكون واحد منها علة للحكم، كقوله
تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ
اثْنَيْنِ ..} .
5- إفحام الخصم وإلزامه ببيان أن مدعاه يلزمه القول بما لا يعترف به أحد، كقوله
تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ
بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ، ..} , فنفى التولد عنه لامتناع التولد من شيء واحد،
وأن التولد إنما يكون من اثنين، وهو سبحانه لا صاحبة له..
170.
القصص في القرآن ثلاثة أنواع:
النوع الأول: قصص الأنبياء، وقد تضمن دعوتهم إلى قومهم، والمعجزات التي أيدهم الله
بها، وموقف المعاندين منهم، ومراحل الدعوة وتطورها وعاقبة المؤمنين والمكذبين،
كقصص نوح، وإبراهيم، وموسى وغيرهم من الأنبياء والمرسلين، عليهم جميعًا أفضل
الصلاة والسلام.
النوع الثاني: قصص قرآني يتعلق بحوادث غابرة، وأشخاص لم تثبت ثبوتهم، كقصة طالوت
وجالوت، وابني آدم، وأهل الكهف، وذي القرنين، وقارون، وأصحاب السبت، ومريم، وأصحاب
الأخدود، وأصحاب الفيل ونحوهم.
النوع الثالث: قصص يتعلق بالحوادث التي وقعت في زمن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم- كغزوة بدر وأحد في سورة آل عمران، وغزوة حنين وتبوك في التوبة، وغزوة
الأحزاب في سورة الأحزاب، والهجرة، والإسراء، ونحو ذلك.
171.
ذكر الشاطبي في الموافقات المعاني الأصلية
والمعاني الثانوية ثم قال: "إن ترجمة القرآن على الوجه الأول -يعني النظر إلى
معانيه الأصلية- ممكن، ومن جهته صح تفسير القرآن وبيان معانيه للعامة ومن ليس لهم
فهم يقوى على تحصيل معانيه. وكان ذلك جائزًا باتفاق أهل الإسلام، فصار هذا الإنفاق
حجة في صحة الترجمة على المعنى الأصلي".
172.
الترجمة التفسيرية: إن علماء الإسلام إذا قاموا
بتفسير للقرآن، يتوخى فيه أداء المعنى القريب الميسور الراجح، ثم يترجم هذا
التفسير بأمانة وبراعة، فإن هذا يقال فيه: "ترجمة تفسير القرآن" أو
"ترجمة تفسيرية" بمعنى شرح الكلام وبيان معناه بلغة أخرى. ولا بأس بذلك.
173.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه
"العقل والنقل": "وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس
بمكروه إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة - كمخاطبة العجم من الروم والفرس
والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج
إليه" ثم قال: "ولذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهمه إياه
بالترجمة، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم، ويترجم
بالعربية، كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود
ليقرأ له ويكتب له ذلك. حيث لم يأتمن اليهود عليه".
174.
القراءة في الصلاة بغير العربية:
يختلف العلماء في القراءة في الصلاة بغير العربية إلى مذهبين:
أحدهما: الجواز مطلقًا أو عند العجز عن النطق بالعربية.
وثانيهما: أن ذلك محظور، والصلاة بهذه القراءة غير صحيحة. قال الحافظ ابن حجر في
"فتح الباري": "إن كان القارئ قادرًا على تلاوته باللسان العربي
فلا يجوز له العدول عنه، ولا تُجزئ صلاته –أي بقراءة ترجمته- وإن كان عاجزًا"
ثم ذكر أن الشارع قد جعل للعاجز عن القراءة بالعربية بدلًا وهو الذِّكر.
175. قال شيخ الإسلام ابن تيمية
–وهو من فقهاء الحنابلة- وإن كانت له اجتهاداته -: "وأما الإتيان بلفظ يبيِّن
المعنى كبيان لفظ القرآن فهذا غير ممكن أصلًا، ولهذا كان أئمة الدين على أنه لا
يجوز أن يُقرأ بغير العربية، لا مع القدرة عليها ولا مع العجز عنها؛ لأن ذلك يخرجه
عن أن يكون هو القرآن المنزل" .
176.
قال ابن تيمية في "الاقتضاء": "
فإن نفس اللغة العربية من الدين - ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسٌّنَّة
فرض، ولا يفهمان إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو
واجب".
177.
قال القفال: "عندي أنه لا يقدر أحد على أن
يأتي بالقرآن بالفارسية. قيل له: فإذن لا يقدر أحد أن يُفسِّر القرآن، قال: ليس
كذلك؛ لأنه هناك يجوز أن يأتي ببعض مراد الله ويعجز عن بعضه، أما إذا أراد أن
يقرأها بالفارسية فلا يمكن أن يأتي بجميع مراد الله".
178.
قال الحافظ ابن حجر: "فمن دخل الإسلام أو
أراد الدخول فيه فقرئ عليه القرآن فلم يفهمه فلا بأس أن يُعرَّب له لتعريف أحكامه.
أو لتقوم عليه الحجة فيدخل فيه" .
179.
قال الراغب: الفسر والسفر يتقارب معناهما
كتقارب لفظيهما، لكل جُعِل الفسر لإظهار المعنى المعقول، وجُعل السفر لإبراز
الأعيان للأبصار، فقيل: سفرت المرأة عن وجهها، وأسفر الصبح.
180.
التفسير عرَّفه أبو حيان بأنه: "علم يبحث
عن كيفية النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية،
ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك".
181.
قال ابن فارس: معاني العبارات التي يعبر بها عن
الأشياء ترجع إلى ثلاثة: المعنى، والتفسير, والتأويل، وهي وإن اختلفت فالمقاصد بها
متقاربة:
فأما المعنى: فهو القصد والمراد، يقال: عنيت بهذا الكلام كذا، أي قصدت وعمدت، وهو
مشتق من الإظهار، يقال: عنت القِربة، إذا لم تحفظ الماء بل أظهرته، ومن هذا: عنوان
الكتاب.
وأما التفسير في اللغة: فهو راجع إلى معنى الإظهار والكشف. وهو يؤول إلى الكشف
أيضًا. فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه، وإطلاق للمحتبس عن الفهم به.
وأما التأويل: فأصله في اللغة من الأول، ومعنى قولهم: ما تأويل هذا الكلام؟ أي
إلام تؤول العاقبة في المراد به؟ ويقال: آل الأمر إلى كذا، أي صار إليه، وأصله من
المآل, وهو العاقبة والمصير, وقد أولته فآل- أي صرفته فانصرف فكأن التأويل صرف
الآية إلى ما تحتمله من المعاني. وإنما بنوه على التفعيل للتكثير.
182.
قال أحمد: "ثلاث كتب لا أصل لها: المغازي،
والملاحم، والتفسير" يعني بهذا: التفسير الذي لا يعتمد على الروايات الصحيحة
في النقل.
183.
قال مجاهد: "لا يحل لأحد يؤمن بالله
واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالِمًا بلغات العرب".
184.
شروط المفسِّر:
1- صحة الاعتقاد:
2- التجرد عن الهوى: فالأهواء تدفع أصحابها إلى نصرة مذهبهم،
3- أن يبدأ أولًا بتفسير القرآن بالقرآن، فما أُجمل منه في موضع فإنه قد فُصل في
موضع آخر.
4- أن يطلب التفسير من السٌّنَّة فإنها شارحة للقرآن موضحة له.
5- الرجوع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند
نزوله.
6- الرجوع إلى أقوال التابعين وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال،
والمعتمد في ذلك كله النقل الصحيح.
7- العلم باللغة العربية وفروعها: فإن القرآن نزل بلسان عربي، ويتوقف فهمه على شرح
مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع.
8- العلم بأصول العلوم المتصلة بالقرآن، كعلم القراءات وعلم التوحيد وعلم الأصول،
وأصول التفسير ونحو ذلك.
9- دقة الفهم التي تمكن المفسر من ترجيح معنى على آخر، أو استنباط معنى يتفق مع
نصوص الشريعة.
185.
آداب المفسِّر:
1- حسن النية وصحة المقصد:
2- حسن الخُلُق:
3- الامتثال والعمل: فإن العلم يجد
قبولًا من العاملين أضعاف ما يجد من سمو معارفه ودقة مباحثه - وحسن السيرة يجعل
المفسِّر قدوة حسنة لما يقرره من مسائل الدين.
4- تحري الصدق والضبط في النقل:
5- التواضع ولين الجانب: فالصلف العلمي حاجز حصين يحول بين العالِم والانتفاع
بعلمه.
6- عزة النفس: فمن حق العالِم أن يترفع عن سفاسف الأمور.
7- الجهر بالحق: فأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر.
8- حسن السمت: الذي يُكسب المفسِّر هيبة ووقارًا في مظهره العام وجلوسه ووقوفه
ومشيته دون تكلف.
9- الأناة والروية: فلا يسرد الكلام سردًا بل يفصِّله ويُبِين عن مخارج حروفه.
10- تقديم من هو أولى منه: فلا يتصدى للتفسير بحضرتهم وهم أحياء، ولا يغمطهم حقهم
بعد الممات.
11- حسن الإعداد وطريقة الأداء: كأن يبدأ بذكر سبب النزول - ثم معاني المفردات
وشرح التراكيب وبيان وجوه البلاغة والإعراب، ثم يبين المعنى العام ويصله بالحياة
العامة التي يعيشها الناس في عصره، ثم يأتي إلى الاستنباط والأحكام.
186.
يبدأ المفسر بذكر سبب النزول - ثم معاني
المفردات وشرح التراكيب وبيان وجوه البلاغة والإعراب الذي يتوقف عليه تحديد
المعنى، ثم يبين المعنى العام ويصله بالحياة العامة التي يعيشها الناس في عصره، ثم
يأتي إلى الاستنباط والأحكام.
187.
هناك ألفاظ قليلة تختلف فيها أنظار العلماء،
أهي من لغات أخرى وعربت، أم هي عربية بحتة ولكنها مما تواردت عليها اللغات؟ فإن
هذا لا يخرج القرآن عن أن يكون عربيًّا.
والذي عليه المحققون أنها كلمات اتفقت فيها ألفاظ العرب مع ألفاظ غيرهم من بعض
أجناس الأمم. كقوله تعالى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} , قيل: الكِفلان: ضعفان من الأجر بلسان الحبشة.
وقوله: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ} 7, قيل: بلسان الحبشة إذا قام الرجل من الليل
قالوا: نشأ. وقوله: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} , قيل: سبحي بلسان الحبشة, وقوله: {فَرَّتْ مِنْ
قَسْوَرَةٍ} , قيل: الأسد بالحبشية.
وقوله: {حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} , قيل
فارسية أعربت
188.
يقول ابن خلدون في مقدمته: "إن القرآن نزل
بلغة العرب - وعلى أساليب بلاغتهم، فكانوا كلهم يفهمونه، ويعلمون معانيه في
مفرداته وتراكيبه" قال ابن قتيبة: "إن العرب لا تستوي في المعرفة بجميع
ما في القرآن من الغريب والمتشابه، بل إن بعضها يفضل في ذلك عن بعض" .
189.
أخرج أبو عبيد في الفضائل عن أنس: أن عمر بن
الخطاب قرأ على المنبر: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} , فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها، فما الأب؟ ثم
رجع إلى نفسه فقال: إن هذا لهو التكلف يا عمر" .
وأخرج أبو عبيد من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما: {فَاطِرَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} حتى أتاني أعرابيان يتخاصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا
فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها" .
190. كان الصحابة يعتمدون في
تفسيرهم للقرآن على:
أولاً: القرآن الكريم: فما جاء مُجملًا في موضع جاء مبينًا في موضع آخر, وهذا هو
الذي يسمى بتفسير القرآن بالقرآن كقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ}, فسره آية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ
الْمَيْتَةُ} .
ثانياً: النبي, صلى الله عليه وسلم: فهو المبيِّن للقرآن, عن عقبة بن عامر قال:
"سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول وهو على المنبر: {وَأَعِدُّوا
لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} "ألا وإن القوة الرمي" .
ثالثًا- الفهم والاجتهاد: فكان الصحابة إذا لم يجدوا التفسير في كتاب الله تعالى، ولا
عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اجتهدوا في الفهم، فإنهم من خُلَّص العرب،
يعرفون العربية، ويُحسنون فهمها، ويعرفون وجوه البلاغة فيها.
191.
قال الزركشي في "البرهان":
"اعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول: إما أن
يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو الصحابة، أو رءوس التابعين - فالأول يُبحث
فيه عن صحة السند، والثاني يُنظر في تفسير الصحابي، فإن فسَّره من حيث اللغة فَهُم
أهل اللسان، فلا شك في اعتماده. أو بما شاهدوه من الأسباب والقرائن فلا شك
فيه"
192.
قال الحافظ ابن كثير في مقدمة تفسيره:
"وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السٌّنَّة رجعنا في ذلك إلى
أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال التي اختُصوا بها،
ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح ولا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة
الأربعة، والخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود, رضي
الله عنهم"
193. ذهب جمهور العلماء إلى أن
تفسير الصحابي له حكم المرفوع إذا كان مما يرجع إلى أسباب النزول وكل ما ليس للرأي
فيه مجال. أما ما يكون للرأي فيه مجال فهو موقوف عليه ما دام لم يُسنِده إلى رسول
الله, صلى الله عليه وسلم.
194.
إن ما نُقِل عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-
وعن الصحابة من التفسير لم يتناول جميع آيات القرآن، وإنما فسروا ما غمض فهمه على
معاصريهم، ثم تزايد هذا الغموض -على تدرج- كلما بَعُد الناس عن عصر النبي -صلى
الله عليه وسلم- والصحابة، فاحتاج المشتغلون بالتفسير من التابعين إلى أن يكملوا
بعض هذا النقص، فزادوا في التفسير بمقدار ما زاد من غموض، ثم جاء مَن بعدهم فأتموا
تفسير القرآن تباعًا، معتمدين على ما عرفوه من لغة العرب ومناحيهم في القول، وعلى
ما صح لديهم من الأحداث التي حدثت في عصر نزول القرآن، وغير هذا من أدوات الفهم
ووسائل البحث. التفسير والمفسرون" جـ1 ص99، 100
195.
مدارس الصحابة في التفسير : في مكة نشأت مدرسة
ابن عباس واشتهر من تلاميذه بمكة: سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة مولى ابن عباس،
وطاوس بن كيسان اليماني، وعطاء بن أبي رباح.
وفي المدينة اشتهر أُبَيُّ بن كعب بالتفسير أكثر من غيره. واشتهر من تلاميذه من
التابعين الذين أخذوا عنه مباشرة أو بالواسطة: زيد بن أسلم، وأبو العالية، ومحمد
بن كعب القرظي.
وفي العراق نشأت مدرسة ابن مسعود: وعُرف بالتفسير من أهل العراق كثير من التابعين.
اشتهر منهم علقمة بن قيس، ومسروق, والأسود بن يزيد، ومرة الهمذاني، وعامر الشعبي،
والحسن البصري، وقتادة بن دعامة السدوسي.
196.
قال ابن تيمية: "قال شُعبة بن الحجاج
وغيره: أقوال التابعين ليست حُجة، فكيف تكون حُجة في التفسير؟ يعني أنها لا تكون
حُجة على غيرهم ممن خالفهم. وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في
كونه حُجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حُجة على بعض ولا على مَن بعدهم،
ويُرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السٌّنَّة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة
في ذلك" .
197.
بدأ تدوين التفسير في أواخر عهد بني أمية،
وأوائل عهد العباسيين، وحظي الحديث بالنصيب الأول في ذلك، وشمل تدوين الحديث
أبوابًا متنوعة، وكان التفسير بابًا من هذه الأبواب، فلم يُفرد له تأليف خاص
يفسِّر القرآن سورة سورة، وآية آية، من مبدئه إلى منتهاه.
198.
اشتدت عناية جماعة برواية التفسير المنسوب إلى النبي
-صلى الله عليه وسلم- أو إلى الصحابة، أو إلى التابعين، مع عنايتهم بجمع الحديث.
وفي مقدمة هؤلاء: يزيد بن هارون السلمي المتوفى سنة 117 هجرية، وشُعبة بن الحجاج
المتوفى سنة 160 هجرية، ووكيع بن الجرح المتوفى سنة 197 هجرية، وسفيان بن عيينة
المتوفى سنة 198 هجرية، وروح بن عبادة البصري المتوفى سنة 205 هجرية، وعبد الرزاق
بن همام المتوفى سنة 211 هجرية، وآدم بن أبي إياس المتوفى سنة 220 هجرية، وعبد بن
حميد المتوفى سنة 249 هجرية.
ولم يصل إلينا من تفاسيرهم شيء، وإنما
رُوي ما نقل مسندًا إليهم في كتب التفسير بالمأثور.
199. مَن أفرد التفسير بالتأليف وجعله علمًا قائمًا
بنفسه منفصلًا عن الحديث. ففسر القرآن حسب ترتيب المصحف. وذلك كابن ماجه المتوفى
سنة 273 هجرية، وابن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هجرية، وأبو بكر بن المنذر
النيسابوري المتوفى سنة 318 هجرية. وابن أبي حاتم المتوفى سنة 327 هجرية، وأبو
الشيخ بن حبان المتوفى سنة 369 هجرية، والحاكم المتوفى سنة 405 هجرية، وأبو بكر بن
مردويه المتوفى سنة 410 هجرية.
وتفاسير هؤلاء مروية بالإسناد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى الصحابة
والتابعين، وأتباع التابعين مع الترجيح أحيانًا فيما يُروى من آراء، واستنباط بعض
الأحكام، والإعراب عند الحاجة، كما فعل ابن جرير الطبري.
200.
اتسعت العلوم، وتم تدوينها، وتشعبت فروعها،
وكثر الاختلاف، وأثيرت مسائل الكلام، وظهر التعصب المذهبي، واختلطت علوم الفلسفة
العقلية بالعلوم النقلية، فأصاب التفسير من هذا الجو غباره، وأصبح المفسرون
يعتمدون في تفسيرهم على الفهم الشخصي،، ويتجهون اتجاهات متعددة، واهتم كل واحد من
المفسرين بحشوه بما برز فيه من العلوم الأخرى، فصاحب العلوم العقلية يُعنى في
تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة كفخر الدين الرازي. وصاحب الفقه يُعنى بالفروع
الفقهية كالجصاص والقرطبي، وصاحب التاريخ يُعنى بالقصص والأخبار كالثعلبي والخازن،
وصاحب البدعة يؤول كلام الله على مذهبه الفاسد، كالرماني والجبائي، والقاضي عبد
الجبار والزمخشري من المعتزلة وملا محسن الكاشي من الإمامية الاثنى عشرية. وصاحب
التصوف يستخرج المعاني الإشارية كابن عربي.
وهكذا أصبحت كتب التفسير تحمل في طياتها الغث والثمين، والنافع والضار، والصالح
والفاسد. وفقد التفسير وظيفته الأساسية في الهداية والإرشاد ومعرفة أحكام الدين.
201.
وأكثر من رُوِي عنه من الخلفاء الأربعة علي بن
أبي طالب، والرواية عن الثلاثة نَزِرَة جدًّا، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم، فقد
رَوَى معمر عن وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل قال: "شهدت عليًّا يخطب وهو
يقول: سلوني، فوالله، لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم، وسلوني عن كتاب الله فوالله
ما من آية إلا وأنا أعلم أبليل نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل".
وأما ابن مسعود فرُوِي عنه أكثر مما رُوِي عن علي، وقد أخرج ابن جرير وغيره عنه
أنه قال: "والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن
نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا
لأتيته"
202.
قال السيوطي: رأيت في تفسير قوله تعالى:
{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} , نحو عشرة أقوال، مع أن الوارد عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى، حتى قال ابن
أبي حاتم: لا أعلم في ذلك اختلافًا من المفسِّرين.
203. قال أبو حيان في البحر: جمع الإمام
الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير ولذلك قال بعض
العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير.
204.
نُقِل عن البلقيني أنه قال: استخرجت من الكشاف
اعتزالًا بالمناقيش، منها أنه قال في قوله سبحانه وتعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} ، أي فوز أعظم من دخوله الجنة؟ أشار به إلى عدم
الرؤية.
205.
كتب في طبقات المفسرين: للحافظ جلال الدين
السيوطي المتوفى سنة 911 هجرية كتاب "طبقات المفسرين" لكنه لم يتم، وبلغ
عدد التراجم فيه 136 ترجمة وهو مرتب على الحروف الهجائية"1.
وصنف في طبقات المفسرين أيضًا الشيخ أبو سعيد صنع الله الكوزه كناني المتوفى سنة
980 هجرية.
كما صنف فيها أحمد بن محمد الأدنه وي من علماء القرن الحادي عشر.
وللحافظ شمس الدين محمد بن علي بن أحمد الداودي المصري المتوفى سنة 945 هجرية
كتابه المشهور "طبقات المفسرين" وهو أوفى كتاب في موضوعه بالمكتبة
الإسلامية، استقصى فيه الداودي تراجم أعلام المفسرين حتى أوائل القرن العاشر
للهجرة، قال فيه حاجي خليفة في كشف الظنون: "وهو أحسن ما صُنف فيه"2.
206.
صنف قوم برعوا في شيء من العلوم. منهم من ملأ
كتابه بما غلب على طبعه من الفن، واقتصر فيه على ما تَمَهَّر هو فيه، كأن القرآن
أنزل لأجل هذا العلم لا غير، مع أن فيه تبيان كل شيء.
فالنحوي نراه ليس له هم إلا الإعراب وينقل قواعد النحو ومسائله كأبي
حيان في البحر والنهر.
والإخباري همه القصص واستيفاؤه، والإخبار عمن سلف سواء أكانت صحيحة أو باطله.
ومنهم الثعالبي.
والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعًا، وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية
كالقرطبي.
وصاحب العلوم العقلية، كذلك كالإمام فخر الدين الرازي
207.
قال ابن تيمية: يجب أن يُعلم أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- بيَّن لأصحابه معاني القرآن، كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى:
{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} , يتناول هذا وهذا ..، وذلك أن الله تعالى قال:
{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} ، وقال:
{أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}, وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن،
وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم كالطب والحساب ولا
يستشرحوه. فكيف بكلام الله الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم
ودنياهم"1. الإتقان
208. قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا
الذين كانوا يقرئوننا القرآن. كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم
كانوا إذا تعلموا من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يعلموا
ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا، ولهذا
كانوا يبقون مدة في حفظ السورة، قال أنس: "كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل
عمران جَدَّ فينا" "رواه أحمد في مسنده". وأقام ابن عمر على حفظ
البقرة ثماني سنين، أخرجه مالك في الموطأ،
209.
عن مجاهد قال: "عرضت المصحف على ابن عباس
ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أستوقفه عند كل آية وأسأله عنها".
210.
التفسير بالمأثور: هو الذي يعتمد على صحيح
المنقول من تفسير القرآن بالقرآن، أو بالسٌّنَّة؛ لأنها جاءت مبيِّنة لكتاب الله،
أو بما رُوِي عن الصحابة؛ لأنهم أعلم الناس بكتاب الله، أو بما قاله كبار
التابعين؛ لأنهم تلقوا ذلك غالبًا عن الصحابة.
وهذا المسلك يتوخى الآثار الواردة في معنى الآية فيذكرها، ولا يجتهد في بيان معنى
من غير أصل، ويتوقف عما لا طائل تحته ولا فائدة في معرفته ما لم يرد فيه نقل صحيح.
211. قال ابن تيمية: "والخلاف بين
السلف في التفسير قليل، وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا
اختلاف تضاد، وذلك نوعان:
أحدهما: أن يعبِّر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في
المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، كتفسيرهم: {الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}
قال بعضهم: القرآن أي اتباعه، وقال بعضهم: الإسلام، فالقولان متفقان؛ لأن دين
الإسلام هو اتباع القرآن، ولكن كل منهما نبَّه على وصف غير الوصف الآخر.
الثاني: أن يذكر كل منهما من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه
المستمع على النوع، ومثاله: ما نُقِل في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا
الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} 2, قيل: السابق: الذي
يصلي في أول الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في أثنائه، والظالم لنفسه: الذي يؤخر
العصر إلى الاصفرار – وقيل: السابق: المحسن بالصدقة مع الزكاة، والمقتصد: الذي
يؤدي الزكاة المفروضة فقط، والظالم: مانع الزكاة"1.
212.
تجنب الإسرائيليات:
وربما كان الاختلاف فيما لا فائدة فيه ولا حاجة بنا إلى معرفته مما وقع فيه بعض
المفسرين في نقل إسرائيليات عن أهل الكتاب، كاختلافهم في أسماء أصحاب الكهف، ولون
كلبهم، وعددهم، واختلافهم في قدر سفينة نوح وخشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله
الخضر، وفي أسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وفي نوع شجرة عصا موسى، ونحو
ذلك. فهذه الأمور طريق العلم بها النقل. فما كان منه منقولًا نقلًا صحيحًا عن
النبي -صلى الله عليه وسلم- قُبِلَ، وإلا توقفنا عنه، وإن كانت النفس تسكن إلى ما
نُقِلَ عن الصحابة؛ لأن نقلهم عن أهل الكتاب أقل من نقل التابعين .
213.
وأكثر الذين تناولوا التفسير بالرأي كانوا من أهل البدع الذين اعتقدوا مذاهب باطلة
وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على رأيهم وليس لهم سَلَف من الصحابة والتابعين لا في
رأيهم ولا في تفسيرهم، وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم، كتفسير عبد الرحمن بن
كيسان الأصم، والجبائي، وعبد الجبار، والرماني، والزمخشري وأمثالهم.
ومن هؤلاء من يكون حسن العبارة يدس مذهبه في كلام يروج على كثير من الناس كما صنع
صاحب الكشاف في اعتزالياته وإن كان بعضهم أخف من بعض
214.
تفسير القرآن بمجرد الرأي والاجتهاد من غير أصل
حرام لا يجوز تعاطيه، قال تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 1،
وقال, صلى الله عليه وسلم: "من قال في القرآن برأيه -أو بما لا يعلم- فليتبوأ
مقعده من النار" 2، وفي لفظ: "من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ"
.
215.
تحرج السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، فقد
رُوِي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن
قال: "إنَّا لا نقول في القرآن شيئًا" .
وأخرج أبو عبيد القاسم بن سلام: "أن أبا بكر الصديق, رضي الله عنه سئل عن
الأب في قوله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} 4, فقال: "أي سماء تظلني؟ وأي
أرض تقلني؟ إذا قلت في كلام الله ما لا أعلم"5.
216.
قال الطبري: " ما كان من تأويل آي القرآن
الذي لا يُدْرَك علمه إلا بنص بيان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بنصبه
الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه -وإن أصاب
الحق فيه- فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه؛ لأن إصابته ليست إصابة موقن
أنه محق، وإنما هي إصابة خارص وظان، والقائل في دين الله بالظن، قائل على الله ما
لا يعلم، وقد حرم الله جل ثناؤه ذلك في كتابه على عباده، فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ
رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ
سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 6.
217.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وفي الجملة
من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا، بل
مبتدعًا؛ لأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به
رسوله, صلى الله عليه وسلم".
218.
اشتمل القرآن على كثير مما جاء في التوراة
والإنجيل ولا سيما ما يتعلق بقصص الأنبياء وأخبار الأمم، ولكن القصص القرآني يجمل
القول مستهدفًا مواطن العبرة والعظة دون ذكر للتفاصيل الجزئية كتاريخ الوقائع،
وأسماء البلدان والأشخاص، أما التوراة فإنها تتعرض مع شروحها للتفاصيل والجزئيات،
وكذلك الإنجيل.
219.
دخل أهل الكتاب في الإسلام و حملوا معهم
ثقافتهم الدينية من الأخبار والقصص الديني، وهؤلاء حين يقرءون قصص القرآن قد
يتعرضون لذكر التفصيلات الواردة في كتبهم، وكان الصحابة يتوقفون إزاء ما يسمعون من
ذلك، امتثالًا لقول رسول الله, صلى الله عليه وسلم: "لا تصدقوا أهل الكتاب
ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا" , وقد يقبل الصحابة بعض ذلك ما دام لا يتعلق
بالعقيدة ولا يتصل بالأحكام، ثم يتحدثون به، لما فهموه من الإباحة في قوله, صلى
الله عليه وسلم: "بلِّغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن
كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" 2. أي حدِّثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون
كذبه، أما ما جاء في الحديث الأول: "لا تُصدقوا أهل الكتاب ولا
تُكذبوهم" فهو محمول على ما إذا كان ما يخبرون به محتملًا؛ لأن يكون صدقًا،
ولأن يكون كذبًا، فلا تعارض بين الحديثين.
220.
قال ابن خلدون: "وإذا تشوقوا إلى معرفة
شيء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات، وبدء الخليقة، وأسرار
الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من
اليهود، ومن تبع دينهم من النصارى... فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم"
221. أكثر ما يُرْوَى من هذه الإسرائيليات
إنما يُرْوى عن أربعة أشخاص: هم: عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه،
وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد اختلفت أنظار العلماء في الحكم عليهم
والثقة بهم، ما بين مجرِّح وموثِّق، وأكثر الخلاف يدور حول كعب الأحبار. وكان عبد
الله بن سلام أكثرهم علمًا، وأعلاهم قدرًا. واعتمده البخاري وغيره من أهل الحديث،
ولم يُنسب إليه من التُّهم ما نُسِب إلى كعب الأحبار ووهب بن منبه.
222. يفسر ابن عربي الصوفي قوله تعالى في
شأن إدريس عليه السلام: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّا} , بقوله: "وأعلى الأمكنة المكان الذي يدور
عليه رحى عالَم الأفلاك، وهو فَلَك الشمس، وفيه مقام روحانية إدريس.. ثم يقول:
وأما علو المكانة فهو لنا أعني المحمديين، كما قال تعالى: {وَأَنْتُمُ
الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} , في
هذا العلو وهو يتعالى عن المكان لا عن المكانة".
223.
قال ابن القيم: "وتفسير الناس يدور على
ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون، وتفسير على المعنى:
وهو الذي يذكره السلف، وتفسير على الإشارة: وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية
وغيرهم، وهذا لا بأس به بأربعة شروط:
1- ألَّا يناقض معنى الآية.
2- وأن يكون معنًى صحيحًا في نفسه.
3- وأن يكون في اللفظ إشعار به.
4- وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة
كان استنباطًا حسنًا"1.
224.
من أهم كتب التفسير الإشاري "تفسير القرآن
العظيم" للتستري – مطبوع، و"حقائق التفسير" لأبي عبد الرحمن السلمي
الصوفي - مخطوط، و"عرائس البيان في حقائق القرآن" لأبي محمد الشيرازي –
مطبوع، و"التأويلات النجمية" لنجم الدين داية وعلاء الدين السمناني –
مخطوط، والتفسير المنسوب إلى ابن عربي- مطبوع.
225.
من المتصوفة من يدَّعي أن الرياضة الروحية التي
يأخذ بها الصوفي نفسه تصل إلى درجة ينكشف له فيها ما وراء العبارات القرآنية من
إشارات قدسية، وتنهل على قلبه من سُحب الغيب ما تحمله الآيات من المعارف السبحانية،
ويسمى هذا بالتفسير الإشاري .
226.
غرائب التفسير: 1- قول من قال في {الم} : معنى
ألف: ألف الله محمدًا فبعثه نبيًّا- ومعنى لام: لامه الجاحدون وأنكروه – ومعنى
ميم: ميم الجاحدون المنكرون، من المُوم بالضم وهو البرسام، علة يهذي المعلوم فيها.
قول من قال في {حم، عسق} 1: إن الحاء: حرب عليٍّ ومعاوية – والميم: المروانية
"نسبة إلى مروان من بني أمية" – والعين: ولاية العباسية – والسين: ولاية
السفيانية - والقاف: قدوة مهدي.
3- ما ذكره ابن فورك في تفسير قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} , أن إبراهيم كان له صديق وصفه بأنه قلبه، أي
ليسكن هذا الصديق إلى هذه المشاهدة إذا رآها عيانًا.
4- قول أبي معاذ النحوي في قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ
الْأَخْضَرِ نَاراً} , يعني من إبراهيم
نارًا، أي نورًا، هو محمد, صلى الله عليه وسلم {فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ
تُوقِدُونَ} تقتبسون الدين.
227.
أشهر الكتب المؤلفة في التفسير بالمأثور:
1- التفسير المنسوب إلى ابن عباس.
2- تفسير ابن عيينة.
3- تفسير ابن أبي حاتم.
4- تفسير أبي الشيخ ابن حبان.
5- تفسير ابن عطية.
6- تفسير ابن الليث السمرقندي "بحر العلوم".
7- تفسير أبي إسحاق "الكشف والبيان عن تفسير القرآن".
8- تفسير ابن جرير الطبري "جامع البيان في تفسير القرآن".
228.
تفسير الجلالين: جلال الدين المحلي، وجلال الدين
السيوطي.
أما جلال الدين المحلي، فقد ابتدأ تفسيره من
أول سورة الكهف إلى آخر سورة الناس، ثم ابتدأ بتفسير الفاتحة، وبعد أن أتمها
اختارته المنية فلم يفسِّر ما بعدها.
وأما جلال الدين السيوطي، فقد جاء بعد الجلال المحلي فكمَّل تفسيره، فابتدأ بتفسير
سورة البقرة وانتهى عند آخر سورة الإسراء، ووضع تفسير الفاتحة في آخر تفسير الجلال
المحلي لتكون ملحقة به.
وكثيرًا ما يخطئ بعض الناس في هذا التقسيم.
229.
أشهر الكتب المؤلفة في التفسير بالرأي:
1- تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم.
2- تفسير أبي علي الجبائي.
3- تفسير عبد الجبار.
4- تفسير الزمخشري "الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل، في وجوه
التأويل".
5- تفسير فخر الدين الرازي "مفاتيح الغيب".
6 - تفسير ابن فورك.
7- تفسير النسفي "مدارك التنزيل وحقائق التأويل".
8- تفسير الخازن "لباب التأويل في معاني التنزيل".
9- تفسير أبي حيان "البحر المحيط".
10- تفسير البيضاوي "أنوار التنزيل وأسرار التأويل".
11- تفسير الجلالين: جلال الدين المحلي، وجلال الدين السيوطي.
12- تفسير القرطبي "الجامع لأحكام
القرآن".
13- تفسير أبي السعود "إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم".
14- تفسير الآلوسي "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع
المثاني".
230.
فخر الدين الرازي من العلماء المتبحرين الذين
نبغوا في العلوم النقلية والعلوم العقلية، مصنفاته تفسيره الكبير، المسمى بـ
"مفاتيح الغيب".
ويقع هذا التفسير في ثماني مجلدات كبار، وتدل الأقوال على أن الفخر الرازي لم يتمه.
231.
يقول محمد الذهبي: "والذي أستطيع أن أقوله
كحَلٍّ لهذا الاضطراب، هو أن الإمام فخر الدين كتب تفسيره هذا إلى سورة الأنبياء،
فأتى بعده شهاب الدين الخوبي فشرع في تكملة هذا التفسير ولكنه لم يتمه، فأتى بعده
نجم الدين القمولي فأكمل ما بقي منه، كما يجوز أن يكون الخوبي أكمله إلى النهاية،
والقمولي كتب تكملة أخرى غير التي كتبها الخوبي، وهذا هو الظاهر من عبارة صاحب كشف
الظنون"
232.
كان أبو حيان الأندلسي الغرناطي على جانب كبير
من المعرفة باللغة، وكان على علم واسع في التفسير، والحديث، وتراجم الرجال، ومعرفة
طبقاتهم، و تفسيره "البحر المحيط". ويقع هذا التفسير في ثماني مجلدات
كبار، وهو مطبوع متداول
233.
يعتمد أبو حيان في أكثر نقوله على كتاب
"التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير" وهو لشيخه: جمال الدين أبي عبد
الله محمد بن سليمان المقدسي المعروف بابن النقيب، ويذكر أبو حيان عنه أنه أكبر
كِتاب صُنِّف في علم التفسير، يبلغ في العدد مائة سِفْر أو يكاد.
234.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في
وجوه التأويل، للزمخشري:
كان الزمخشري عالِمًا عبقريًّا فذًّا في النحو واللغة والأدب والتفسير، وآراؤه في
العربية يستشهد علماء اللغة بها لأصالتها ودقتها.
والزمخشري معتزلي الاعتقاد، حنفي المذهب، ألَّف كتاب "الكشاف" بما يدعم
عقيدته ومذهبه.
235.
ويحلل ابن خلدون كتاب الكشاف للزمخشري في قوله:
"ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفن من التفاسير، كتاب الكشاف للزمخشري، من أهل
خوارزم العراق، إلا أن مؤلفه من أهل الاعتزال في العقائد، فيأتي بالحِجاج على
مذاهبهم الفاسدة، حيث تعرض له في آي القرآن من طريق البلاغة، فصار بذلك للمحققين
من أهل السٌّنَّة انحراف عنه، وتحذير للجمهور من مكامنه، مع إقرارهم برسوخ قدمه
فيما يتعلق باللسان والبلاغة، وإذا كان الناظر فيه واقفًا مع ذلك على المذاهب
السُّنية، محسنًا للحِجاج عنها، فلا جَرَمَ أنه مأمون من غوائله، فلتغتنم مطالعته
لغرابة فنونه في اللسان، ولقد وصل إلينا في هذه العصور تأليف لبعض العراقيين، وهو
شرف الدين الطيبي من أهل توريز من عراق العجم، شرح فيه كتاب الزمخشري هذا، وتتبع
ألفاظه، وتعرض لمذاهبه في الاعتزال بأدلة تزيفها، وتبيِّن أن البلاغة إنما تقع في
الآية على ما يراه أهل السٌّنَّة، لا على ما يراه المعتزلة، فأحسن في ذلك ما شاء،
مع إمتاعه في سائر فنون البلاغة، وفوق كل ذي علم عليم" .
236.
الجواهر في تفسير القرآن، للشيخ طنطاوي جوهري:
كان الشيخ طنطاوي جوهري مغرمًا بالعجائب الكونية، وكان مدرسًا بمدرسة دار العلوم
في مصر، يفسِّر بعض آيات القرآن على طلبتها، كما كان يكتب في بعض الصحف، ثم خرج
بمؤلفه في التفسير "الجواهر في تفسير القرآن".
وقد عُني في هذا التفسير عناية فائقة، بالعلوم الكونية، وعجائب الخَلْقِ، ويقرر في
تفسيره أن في القرآن من آيات العلوم ما يربو على سبعمائة وخمسين آية. ولم يجد تفسيره قبولًا لدى كثير من
المثقفين. لما فيه من تعسف في حمل الآيات على غير معناها.
237. يهيب الشيخ طنطاوي بالمسلمين
أن يتأملوا في آيات القرآن التي تُرْشد إلى علوم الكون، ويحثهم على العمل بما
فيها، ويفضلها على غيرها في الوقت الحاضر، حتى على فرائض الدين، فيقول: "يا
ليت شعري: لماذا لا نعمل في آيات العلوم الكونية ما فعله آباؤنا في آيات الميراث؟
ولكني أقول: الحمد لله. الحمد لله! إنك تقرأ في هذا التفسير خلاصات من العلوم، ودراستها
أفضل من دراسة عِلم الفرائض؛ لأنه فرض كفاية، فأما هذه فإنها للازدياد في معرفة
الله، وهي فرض عين على كل قادر" ويأخذ الغرور منه مأخذه، فينحى باللائمة على
المفسرين السابقين، ويقول: "إن هذه العلوم التي أدخلناها في تفسير القرآن هي
التي أغفلها الجهلاء المغرورون من صغار الفقهاء في الإسلام، فهذا زمان الانقلاب،
وظهور الحقائق، والله يهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم". وقد أساء الشيخ طنطاوي جوهري في نظرنا بهذا إلى
التفسير إساءة بالغة من حيث يظن أنه يُحسن صنعًا.
238.
تفسير المنار - للسيد محمد رشيد رضا: تفسيره المسمى بـ "تفسير القرآن
الحكيم"، والمشهور بـ "تفسير المنار". نسبة إلى مجلة
"المنار" التي كان يصدرها.
وقد بدأ تفسيره من أول القرآن، وانتهى عند قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي
مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} , ثم عاجلته المنية قبل أن يتم تفسير القرآن،
وهذا القدر من التفسير مطبوع في اثني عشر مجلدًا كبارًا.
ويصرح الشيخ رشيد بأن هدفه من هذا
التفسير هو: "فهم الكتاب من حيث هو دين يرشد الناس إلى ما فيه سعادتهم في
حياتهم الدنيا وحياتهم الآخرة".
239.
التفسير البياني للقرآن الكريم، لعائشة عبد
الرحمن "بنت الشاطئ":
من نسائنا المعاصرات اللاتي أسهمن بنصيبهن في الأدب العربي والفكر الاجتماعي -
الدكتورة عائشة عبد الرحمن، المشهورة بـ "بنت الشاطئ".
240. جاء عصر التقليد والتعصب المذهبي بعد
الأئمة الأربعة، فقَصَر أتباع الأئمة جهودهم على توضيح مذهبهم والانتصار له، ولو
كان ذلك بحمل الآيات القرآنية على المعاني المرجوحة البعيدة، ونشأ من هذا تفسير
فقهي خاص لآيات الأحكام في القرآن، يشتد التعصب المذهبي فيه أحيانًا، ويخف أخرى.
وتتابع هذا المنهج إلى العصر الحديث، وهذا هو ما نسميه بالتفسير الفقهي.
241.
أشهر كتب
التفسير الفقهي:
1-
أحكام القرآن للجصاص - مطبوع.
2- أحكام القرآن للكيا الهراس - مطبوع.
3– أحكام القرآن لابن العربي - مطبوع.
4- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - مطبوع.
5– الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي - مخطوط.
6- التفسيرات الأحمدية في بيان الآيات الشرعية لملا جيون - مطبوع بالهند.
7- تفسير آيات الأحكام للشيخ محمد السايس - مطبوع.
8- تفسير آيات الأحكام للشيخ مناع القطان - مطبوع.
9- أضواء البيان للشيخ محمد الشنقيطي – مطبوع.
242.
أحكام القرآن – للجصاص:
أبو بكر أحمد بن علي الرازي المشهور بالجصاص -نسبة إلى العمل بالجص– من أئمة الفقه
الحنفي في القرن الرابع الهجري. ويعتبر كتابه "أحكام القرآن" من أهم كتب
التفسير الفقهي، ولا سيما عند الأحناف.
والجصاص يتعصب لمذهب الحنفية تعصبًا ممقوتًا، ويبدو من تفسير الجصاص كذلك أنه ينحو
منحى المعتزلة في العقائد. والكتاب مطبوع
في ثلاث مجلدات، وهو متداول بين أهل العلم، ومن مراجع الفقه الحنفي.
243.
أحكام القرآن – لابن العربي:
أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد المعافري الأندلسي
الإشبيلي. من أئمة علماء الأندلس المتبحرين. وهو مالكي المذهب. وكتابه "أحكام
القرآن" أهم مرجع للتفسير الفقهي عند المالكية. ويحتكم ابن العربي في تفسيره إلى اللغة في
استنباط الأحكام. وينفر من الإسرائيليات، ويتعرض لنقد الأحاديث الضعيفة ويحذر
منها.
والكتاب مطبوع عدة طبعات، منها طبعة في مجلدين كبيرين، ومنها طبعة في أربع مجلدات
ويتداوله العلماء.
244.
الجامع لأحكام القرآن – لأبي عبد الله القرطبي:
أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري، الخزرجي الأندلسي، عالِم
فذ من علماء المالكية. له مصنفات كثيرة، أشهرها كتابه في التفسير "الجامع لأحكام
القرآن". والقرطبي في تفسيره لم يقتصر على آيات الأحكام وإنما يفسر القرآن
الكريم تباعًا، ويضرب صفحًا عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين.
ويرد القرطبي على الفرق، ولكن بأسلوب مهذب كذلك.
245.
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمه أم الفضل
لبابة بنت الحارث الهلالية، ولد وبنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث –وقيل بخمس-
والأول أثبت.
وقد حج عبد الله بن عباس سنة قتل عثمان بأمر منه، وكان على الميسرة يوم صفين، وولاه
على البصرة، فلم يزل ابن عباس عليها حتى قُتل عليٌّ فاستخلف على البصرة عبد الله
بن الحارث ومضى إلى الحجاز، وتوفي بالطائف سنة خمس وستين -وقيل سبع، وقيل ثمان-
وهو الصحيح في قول الجمهور، قال الواقدي: لا خلاف عند أئمتنا أنه ولد بالشعب حين
حصرت قريش بني هاشم، وأنه كان له عند موت النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاث عشرة
سنة.
246.
ابن عباس ترجمان القرآن، وحَبْر الأمة، ورئيس
المفسرين، فقد أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: "نِعْمَ ترجمان
القرآن ابن عباس" وأخرج أبو نعيم عن مجاهد قال: "كان ابن عباس يُسمى
البحر لكثرة علمه"، وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن يحيى بن سعيد الأنصاري:
"لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة: مات حَبْر هذه الأمة، ولعل الله أن يجعل
في ابن عباس خَلَفًا". في الصحيح عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم-
ضمه إليه وقال: "اللهم علمه الحكمة" . وفي معجم البغوي، وغيره عن عمر
أنه كان يقرب ابن عباس ويقول: "إني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعاك
فمسح رأسك، وتَفَلَ في فيك" وقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه
التأويل" .
247.
ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يُحصى كثرةً،
وجُمِع ما نُقِل عنه في تفسير مختصر ممزوج يسمى "تفسير ابن عباس" وفيه
روايات وطرق مختلفة، ولكن أحسن الطرق عنه طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه،
واعتمد على هذه البخاري في صحيحه، ومن جيد الطرق طريق قيس بن مسلم الكوفي عن عطاء
بن السائب.
وفي التفاسير الطوال التي أسندوها إلى ابن عباس مجاهيل، وأوهى طرقه طريق الكلبي عن
أبي صالح.
248.
هو مجاهد بن جبر المكي أبو الحجاج المخزومي
المقرئ، مولى السائب بن أبي السائب، وكان مولده سنة 21هـ "إحدى
وعشرين" في خلافة عمر، ومات سنة اثنتين أو ثلاث ومائة، وقال يحيى القطان: مات
سنة 104هـ "أربع ومائة".
249.
مجاهد رأس المفسرين من طبقة التابعين حتى قيل
إنه كان أعلمهم بالتفسير، وقد أخذ تفسيره عن ابن عباس ثلاثين مرة، وعنه أيضًا قال:
عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، أقف عند كل آية وأسأله عنها, فِيم نزلت،
وكيف كانت؟ وقال الثوري، إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، قال ابن تيمية:
ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم.
250.
هو محمد بن جرير بن يزيد بن خالد بن كثير أبو
جعفر الطبري، الآملي الأصل، البغدادي المولد والوفاة – ولد سنة 224هـ "أربع
وعشرين ومائتين"، وتوفي سنة 310هـ "عشر وثلاثمائة"، وكان عالِمًا
فذًّا كثير الرواية ذا بصيرة بالنقل والترجيح بين الروايات، وله باع طويل في تاريخ
الرجال وأخبار الأمم.
251.
صنف ابن جرير من الكتب: جامع البيان في تفسير
القرآن، وتاريخ الأمم والملوك وأخبارهم، والآداب الحميدة والأخلاق النفيسة، وتاريخ
الرجال، واختلاف الفقهاء، وتهذيب الآثار، وكتاب البسيط في الفقه، والجامع في
القراءات، وكتاب التبصير في الأصول.
252.
قال النووي في تهذيبه: كتاب ابن جرير في
التفسير لم يصنِّف أحد مثله، ويمتاز ابن جرير بالاستنباط الرائع، والإشارة إلى ما
خفي في الإعراب، وبذلك كان تفسيره فوق أقرانه من التفاسير، وأكثر ما ينقل ابن كثير
عن ابن جرير.
253.
هو إسماعيل بن عمر القرشي ابن كثير البصري ثم
الدمشقي، عماد الدين أبو الفداء الحافظ المحدِّث الشافعي.
ولد سنة 705هـ "خمس وسبعمائة"، وتوفي سنة 774هـ "أربع وسبعين
وسبعمائة"، بعد حياة زاخرة بالعلم، فقد كان فقيهًا متقنًا، ومحدِّثًا بارعًا،
ومؤرخًا ماهرًا، ومفسرًا ضابطًا، قال فيه الحافظ ابن حجر: "إنه كان من
محدِّثي الفقهاء" وقال: "سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتُفِع بها
بعد وفاته".
254.
تفسيرابن كثير: قال فيه السيد محمد رشيد رضا:
"هذا التفسير من أشهر كتب التفسير في العناية بما رُوِي عن مفسري السلف،
وبيان معاني الآيات وأحكامها، وتحامي ما أطال به الكثيرون من مباحث الإعراب ونكت
فنون البلاغة، أو الاستطراد لعلوم أخرى لا يُحتاج إليها في فهم القرآن، ولا التفقه
فيه، ولا الاتعاظ به.
ومن مزاياه العناية بما يسمونه تفسير القرآن بالقرآن، فهو أكثر ما عرفنا من كتب
التفسير سردًا للآيات المتناسبة في المعنى، ويلي ذلك فيه الأحاديث المرفوعة التي
تتعلق بالآية وبيان ما يُحتج به منها، ويليها آثار الصحابة وأقوال التابعين ومَن
بعدهم من علماء السلف.
255.
هو محمد بن عمر بن الحسن التميمي البكري
الطبرستاني الرازي فخر الدين المعروف بابن الخطيب الشافعي الفقيه.
ولد بالري سنة 543هـ "ثلاث وأربعين وخمسمائة"، وتوفي بهراة سنة 606هـ
"ست وستمائة" – ودرس العلوم الدينية والعلوم العقلية، فتعمق في المنطق
والفلسفة، وبرز في علم الكلام، وله في هذا كله الكتب والشروح والتعليقات، حتى عدوه
من فلاسفة عصره، ولا تزال كتبه مراجع مهمة لمن يسمونهم بالفلاسفة الإسلاميين.
256. لفخر الدين الرازي تصانيف
كثيرة، منها: مفاتيح الغيب في تفسير القرآن، وتفسيره أسرار التنزيل وأنوار
التأويل، وإحكام الأحكام، والمحصل في أصول الفقه، والبرهان في قراءة القرآن، ودرة
التنزيل وغرة التأويل في الآيات المتشابهات، وشرح الإشارات والتنبيهات لابن سينا،
وإبطال القياس، وشرح القانون لابن سينا، والبيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ
والطغيان، وتعجيز الفلاسفة، ورسالة الجوهر، ورسالة الحدوث, وكتاب الملل والنحل،
ومحصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتكلمين في علم الكلام، وشرح
المفصل للزمخشري.
257.
هو أبو القاسم محمود بن عمر الخوارزمي الزمخشري
– ولد في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 467هـ "سبع وستين وأربعمائة"
بزمخشر، وهي قرية كبيرة من قرى خوارزم، وتلقى العلم في بلاده، ورحل إلى بخارى في
طلبه، وأخذ الأدب عن شيخه منصور أبي مضر، ثم رحل إلى مكة وجاور بها زمانًا، فقيل
له "جار الله" وبها ألَّف كتابه في التفسير "الكشاف في حقائق غوامض
التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل" وتوفي الزمخشري سنة 538هـ
"ثمان وثلاثين وخمسمائة"، بجرجانية خوارزم بعد رجوعه من مكة،
258.
الزمخشري حنفي المذهب، معتزلي العقيدة، يؤوِّل
الآيات وفق مذهبه وعقيدته بلحن لا يدركه إلا الخاصة، ويسمِّى المعتزلة: إخوانه في
الدين من أفاضل الفئة الناجية العدلية.
259.
كتاب الكشاف للزمخشري من أشهر كتب المفسرين
بالرأي، الماهرين في اللغة، وينقل عنه الآلوسي، وأبو السعود, والنسفي، وغيرهم من المفسرين
بدون نسبة إليه، واعتزالياته في التفسير قد تولى التنقيب عنها العلامة أحمد
المنير. وسماها بالانتصاف ،
260.
هو القاضي محمد بن علي بن عبد الله الشوكاني ثم
الصنعاني الإمام المجتهد، ناصر السٌّنَّة، وقامع البدعة.
ولد سنة 1173هـ "ثلاث وسبعين ومائة وألف" في بلدة هجرة شوكان، ونشأ
بصنعاء، فقرأ القرآن، وأخذ يطلب العلم، ويسمع من العلماء الأعلام، وحفظ كثيرًا من
متون النحو والصرف والبلاغة، والأصول وآداب البحث والمناظرة، حتى صار إمامًا يشار
إليه بالبنان، وظل مكبًّا على العلم قراءة وتدريسًا إلى أن توفي سنة 1250هـ
"خمسين ومائتين وألف".
261. مذهب وعقيدة الشوكاني: تفقه على مذهب
الإمام زيد، وبرع فيه، وألَّف وأفتى، وطلب الحديث، وفاقَ فيه أهل زمانه حتى خلع
ربقة التقليد، وصار مناصرًا للسُّنة ومناوئًا لأعدائها، وكان يرى تحريم التقليد,
حتى ألَّفَ في ذلك رسالة أسماها "القول المفيد في أدلة الاجتهاد
والتقليد".
الكتب
المؤلفة في علوم القرآن:
|
1.
|
المؤلف |
سنة الوفاة |
الفن |
|
2.
|
عليُّ
بن المديني شيخ البخاري |
المتوفى
سنة 234 |
أسباب
النزول |
|
3.
|
أبو
عبيد القاسم بن سلام |
المتوفى
سنة 224 |
الناسخ
والمنسوخ، وفي القراءات. |
|
4.
|
ابن
قتيبة |
المتوفى
سنة 276 |
مُشْكَل
القرآن |
|
5.
|
محمد
بن خلف المرزبان |
المتوفى
سنة 309 |
الحاوي
في علوم القرآن . |
|
6.
|
أبو
بكر محمد بن القاسم الأنباري |
المتوفى
سنة 328 |
علوم
القرآن. |
|
7.
|
أبو
بكر السجستاني |
المتوفى
سنة 330 |
غريب
القرآن |
|
8.
|
محمد
بن عليٍّ الأدفوي |
المتوفى
سنة 388 |
الاستغناء
في علوم القرآن |
|
9.
|
أبو
بكر الباقلاني |
المتوفى
سنة 403 |
إعجاز
القرآن |
|
10.
|
عليُّ
بن إبراهيم بن سعيد الحوفي |
المتوفى
سنة 450 |
أمثال
القرآن. |
|
11.
|
العز
بن عبد السلام |
المتوفى
سنة 660 |
مجاز
القرآن |
|
12.
|
علم
الدين السخاوي |
المتوفى
سنة 643 |
علم
القراءات |
|
13.
|
ابن
القيم |
المتوفى
سنة 751 |
أقسام
القرآن |
الكتب المؤلفة في علوم القرآن كلها أو جلها
|
|
المؤلف |
الوفاة |
الكتاب |
|
1.
|
علي
بن إبراهيم بن سعيد الشهير بالحوفي ويعتبر أول من دَوَّن علوم القرآن |
المتوفى
سنة 430هـ. |
البرهان
في علوم القرآن |
|
2.
|
ابن
الجوزي |
سنة
597 |
"فنون
الأفنان في عجائب علوم القرآن" |
|
3.
|
بدر
الدين الزركشي |
المتوفى
سنة 794 |
"البرهان
في علوم القرآن" |
|
4.
|
جلال
الدين البلقيني ، أضاف على الزركشي بعض الزيادات |
المتوفى
سنة 824 |
"مواقع
العلوم من مواقع النجوم". |
|
5.
|
جلال
الدين السيوطي |
المتوفى
سنة 911 هجرية |
"الإتقان
في علوم القرآن". |
الكتب المعاصرة في علوم القرآن
|
|
المؤلف |
الفن |
|
1.
|
مصطفى
صادق الرافعي |
"إعجاز
القرآن" |
|
2.
|
سيد قطب |
"التصوير
الفني في القرآن" و"مشاهد القيامة في القرآن" |
|
3.
|
محمد
مصطفى المراغي |
"ترجمة
القرآن" |
|
4.
|
مصطفى
صبري |
"مسألة
ترجمة القرآن" |
|
5.
|
محمد
عبد الله دراز |
"النبأ
العظيم" |
|
6.
|
محمد
جمال الدين القاسمي |
مقدمة
تفسير "محاسن التأويل" |
|
7.
|
طاهر
الجزائري |
"التبيان
في علوم القرآن" |
|
8.
|
محمد
علي سلامة |
"منهج
الفرقان في علوم القرآن" |
|
9.
|
محمد
عبد العظيم الزرقاني |
"مناهل
العرفان في علوم القرآن". |
|
10.
|
أحمد
أحمد علي |
"مذكرة
علوم القرآن" |
|
11.
|
صبحي
الصالح |
"مباحث
في علوم القرآن" |
|
12.
|
أحمد
محمد جمال |
"على
مائدة القرآن". |
أصحاب
القراءات السبعة ورواتهم وغيرهم
|
|
القاريء |
اسمه |
وفاته |
|
1 |
أبو
عمرو بن العلاء شيخ الرواة |
زيان
بن العلاء بن عمار المازني البصري، وقيل اسمه يحيى، وقيل اسمه كنيته |
بالكوفة
"154هـ" |
|
راوياه |
الدوري
|
أبو
عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري النحوي، والدور: موضع ببغداد |
سنة
"246هـ". |
|
|
والسوسي |
أبو
شعيب صالح بن زياد بن عبد الله السوسي |
سنة
"261هـ". |
|
2 |
ابن
كثير |
عبد
الله بن كثير المكي، وهو من التابعين |
بمكة
"120هـ" |
|
وراوياه |
البزي |
أحمد
بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المؤذن المكي، ويكنى أبا الحسن |
بمكة
"250هـ". |
|
|
وقنبل |
محمد
بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد المكي المخزومي، ويكنى أبا عمرو، ويلقب
قنبلًا، ويقال: هم أهل البيت بمكة، يعرفون بالقنابلة، |
بمكة
"291هـ". |
|
3 |
نافع
المدني: |
أبو
رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، أصله من أصفهان |
بالمدينة
"169هـ" |
|
وراوياه |
قالون:
|
عيسى
بن منيا "بالمد والقصر" المدني معلم العربية، ويكنى أبا موسى، وقالون
لقب له أيضًا، يُروى أن نافعًا لقَّبه به لجودة قراءته لأن "قالون"
بلسان الروم "جيد". |
بالمدينة
"220هـ". |
|
|
وورش |
عثمان
بن سعيد المصري، ويكنى أبا سعيد، وورش لقب له، لقب به فيما يقال لشدة بياضه، |
بمصر
"197هـ". |
|
4 |
ابن عامر الشامي:
|
عبد
الله بن عامر اليحصبي قاضي دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك. ويكنى أبا عمران،
وهو من التابعين |
بدمشق
"118هـ" |
|
وراوياه |
هشام |
هشام
بن عمار بن نصير القاضي الدمشقي، ويكنى أبا الوليد |
"245هـ". |
|
|
وابن
ذكوان |
عبد
الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشي الدمشقي، ويكنى أبا عمرو، ولد سنة ثلاث
وسبعين ومائة "173هـ" |
بدمشق
"242هـ". |
|
5 |
عاصم
الكوفي: |
عاصم
بن أبي النجود، ويقال له ابن بهدلة، أبو بكر، وهو من التابعين |
بالكوفة
"128هـ" |
|
وراوياه: |
شعبة،
|
أبو
بكر شعبة بن عباس بن سالم الكوفي |
بالكوفة
"193هـ". |
|
|
وحفص |
حفص
بن سليمان بن المغيرة البزاز الكوفي، ويكنى أبا عمرو، وكان ثقة، قال ابن معين:
هو أقرأ من أبي بكر |
"180هـ". |
|
6 |
حمزة
الكوفي: |
حمزة
بن حبيب بن عمارة الزيات الفرضي التيمي، ويكنى أبا عمارة |
بحلوان
في خلافة أبي جعفر المنصور "156هـ" |
|
وراوياه: |
خلف
|
خلف
بن هشام البزاز، ويكنى أبا محمد |
ببغداد
"229هـ". |
|
|
وخلاد |
خلاد
بن خالد، ويقال ابن خليد، الصيرفي الكوفي، ويكنى أبا عيسى |
"220هـ". |
|
7 |
الكسائي الكوفي: |
علي
بن حمزة إمام النحاة الكوفيين، ويكنى أبا الحسن، وقيل له "الكسائي" من
أجل أنه أحرم في كساء |
بـ
"رنبوية" قرية من قرى الري حين توجه إلى خراسان مع الرشيد
"189هـ" |
|
وراوياه: |
أبو الحارث |
الليث
بن خالد البغدادي |
"240هـ". |
|
|
وحفص
الدوري |
فهو
الراوى عن أبي عمرو |
|
|
8 |
أبو
جعفر المدني: |
يزيد
بن القعقاع |
بالمدينة
"128هـ" - وقيل: "132هـ" |
|
وراوياه: |
ابن
وردان |
أبو
الحارث عيسى بن وردان المدني |
بالمدينة
"160هـ". |
|
|
وابن
جماز |
أبو
الربيع سليمان بن مسلم بن جماز المدني |
"170هـ". |
|
9 |
يعقوب
البصري: |
أبو
محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي |
بالبصرة
"205هـ" - وقيل "185هـ" |
|
وراوياه: |
رويس
|
أبو
عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري، ورويس لقب له |
بالبصرة
"238هـ". |
|
|
وروح |
أبو
الحسن روح بن عبد المؤمن البصري النحوي |
"234هـ"
- أو "235هـ". |
|
10 |
خلف: |
أبو
محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي |
"229هـ"
- وقيل: لم يوقف على تاريخ وفاته |
|
وراوياه |
إسحاق |
أبو
يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان الوراق المروزي ثم البغدادي |
"286هـ". |
|
|
وإدريس |
أبو
الحسن إدريس بن عبد الكريم البغدادي الحداد |
"292هـ". |
|
11 |
ويزيد
أربع قراءات: |
قراءة
الحسن البصري، مولى الأنصار، أحد كبار التابعين المشهورين بالزهد، |
110. |
|
12 |
|
قراءة
محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن محيصن،
وكان شيخًا لأبي عمرو. |
123
هجرية |
|
13 |
|
قراءة
يحيى بن المبارك اليزيدي النحوي، من بغداد، أخذ عن أبي عمرو وحمزة، وكان شيخًا
للدوري والسوسي. |
202. |
|
14 |
|
قراءة
أبي الفرج محمد بن أحمد الشنبوذي |
388. |
طبقات المفسرين
|
1.
|
المفسرون من الصحابة |
اشتهر منهم الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَيُّ بن
كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبو
هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين. |
|
2.
|
المفسرون من التابعين |
أعلم الناس بالتفسير أهل مكة؛ لأنهم أصحاب ابن عباس كمجاهد، وعطاء
بن أبي رباح، وعكرمة مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وطاوس وغيرهم - وفي الكوفة
أصحاب ابن مسعود - وفي المدينة زيد بن أسلم الذي أخذ عنه ابنه عبد الرحمن بن
زيد، ومالك بن أنس" ومن أصحاب ابن مسعود علقمة، والأسود بن يزيد، وإبراهيم
النخعي، والشعبي، ومن هذه الطبقة: الحسن البصري، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني،
ومحمد بن كعب القرظي، وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحي، والضحاك بن مزاحم،
وعطية بن سعيد العوفي. وقتادة بن دعامة السدوسي، والربيع بن أنس، والسدي -
فهؤلاء قدماء المفسرين من التابعين، وغالب أقوالهم تلقوها عن الصحابة. |
|
3.
|
طبقة الذين صنف كثير منهم كتب التفاسير التي تجمع أقوال الصحابة
والتابعين |
سفيان بن عيينة، ووكيع بن
الجراح، وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وآدم بن أبي إياس،
وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وروح بن عبادة، وأبي بكر بن أبي شيبة، وآخرين. |
|
4.
|
طبقة أخرى |
علي بن أبي طلحة، وابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وابن ماجه،
والحاكم، وابن مردويه، وأبو الشيخ بن حبان، وابن المنذر في آخرين، وكلها مسندة
إلى الصحابة والتابعين وأتباعهم. |
|
5.
|
طبقة صنفت تفاسير مشحونة بالفوائد اللغوية، ووجوه الإعراب، وما أثر
في القراءات |
أبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي، وأبي بكر النقاش، وأبي جعفر
النحاس. |
|
6.
|
طائفة من المتأخرين، |
اختصروا الأسانيد، ونقلوا
الأقوال بتراء، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل. |
|
7.
|
|
كل مَن سنح له قول يورده، ومَن خطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك
عنه مَن يجيء بعده ظانًّا أن له أصلَا، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف
الصالح، ومن هم القدوة في هذا الباب . |
|
8.
|
|
قوم برعوا في شيء من العلوم. منهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه
من الفن، واقتصر فيه على ما تَمَهَّر هو فيه، كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم لا
غير، مع أن فيه تبيان كل شيء. |
|
9.
|
عصر النهضة الحديثة التفسير الأدبي الاجتماعي |
محمد عبده، والسيد محمد رشيد رضا، ومحمد مصطفى المراغي، وسيد قطب،
ومحمد عزة دروزة. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق